فيلم «عدو الدولة»… الفساد في عالم المخابرات

منذ ساعة

من النادر أن يبرع فيلم في مجالي الاثارة و جمال الفكرة في آن واحد، و لكن هذا ما نجح في تحقيقه فيلم»عدو الدولة» Enemy of the State (1998) الذي أدى فيه «ول سمث» و «جين هاكمان» الأدوار الرئيسية فيه، و كان من الناحية العملية بداية لعدة ممثلين أصبحوا فيما بعد من المشاهير مثل «جاك بلاك» و «غابريل برن». و تطرق الفيلم الى جانب بالغ الحساسية من الحياة العامة و تأثير الدولة على المواطن و قابلية موظفي أجهزة المخابرات على خرق القوانين و الأمانة المهنية من أجل تحقيق أهدافهم الشخصية بغض النظر عن أهداف الأجهزة التي يعملون فيها، فالغاية تبرر الوسيلة، مهما كانت تلك الوسيلة.

قصة الفيلم

تدور أحداث الفيلم عن عضو الكونغرس «فِل هامرسلي» (جيسن روبردز) الذي يرفض الموافقة على اقتراح قانون يزيد من صلاحيات أجهزة المخابرات الأمريكية في مراقبة المواطنين الأمريكان. و لكن هذا القانون كان سيضمن ترقية ل»توماس رينولدز» (جون فويت)، الموظف البارز في وكالة الأمن القومي الأمريكية. و لذلك يتفاجأ عضو الكونغرس بوجود «توماس رينولدز» مع بعض موظفي الوكالة أثناء تنزهه في منطقة منعزلة في احدى الغابات القريبة من واشنطن. و يحاول «توماس» اقناع «فِل» بالموافقة على القانون لأنه كان حجر العثرة الوحيد أمام اقرار الكونغرس هذا القانون الا أنه يرفض ذلك تماما. و لذلك يقوم أحد موظفي الوكالة بقتل عضو الكونغرس بحيث يبدو و كأنه توفي بسكتة قلبية. و يتفاجأ منفذوا الأغتيال بأن كامل العملية قد تم تصويرها مصادفة من قبل أحد المهتمين في تصوير الحياة البرية في الغابات، فتبدأ عملية مطاردة عنيفة لأيقاف ذلك المصور و انتزاع الفيلم منه، و لكنه ينجح في وضع الفيلم في حقيبة التسوق لصديق قديم له، المحامي الناجح «روبرت دين» (ول سمث)، دون علمه و قبل أن يقتل في حادث سيارة. و لكن موظف الوكالة، «توماس رينولدز»، و فريقه يقتنعون بوجود الفيلم بحوزة «روبرت» و ربما دون ان يعلم بذلك، فتبدأ عملية مراقبة دقيقة لكل تفاصيل حياته، و حملة لتحطيم سمعته حيث انقلب ضده جميع أصدقاؤه و زملاؤه في العمل باستثناء زوجته و السكرتيرة في العمل، و يتم تعطيل الحسابات المصرفية الخاصة به و بزوجته. و بالتالي تتحول حياة «روبرت دين» الى جحيم حقيقي لاسيما عندما تُقتَل حبيبته السابقة التي كان على علاقة عمل معها على الرغم من معرفته بحبها له. و في خضم كل هذا يتعرف على المحقق الخاص «ادوارد لايل» (جين هاكمان) و الذي كان يعمل في السابق في وكالة الأمن القومي. و يكتشف «لايل» ما يحدث و يحذر «روبرت» من خطر الجهة التي تتربص به، فيحاول الأثنان الأختفاء دون جدوى بسبب امكانيات مطارديهما. و في هذه الأثناء يكتشف مدير عام وكالة الأمن الوطني أن هنالك من يستعمل امكانيات الوكالة لمصلحته، فيأمر بتحقيق كامل عن الأمر و وعد بسجن الفاعلين. و ينتهي الفيلم بمواجهة دامية تؤدي الى أكتشاف مكتب التحقيقات الفدرالي ما يحدث و يلقي القبض على الجميع. و في نهاية المطاف يعود»روبرت دين» الى حياته العادية و كأن شيئا لم يحدث بينما يختفي «أدوارد لايل». و تنتهي هنا أحداث الفيلم.

تحليل الفيلم

ليس فيلم «عدو الدولة» مجرد فيلم إثارة، بل تحذير من عالم تتداخل فيه السلطة والتكنولوجيا والفساد الفردي، بحيث يصبح المواطن العادي الحلقة الأضعف في منظومة لا يمكنه رؤيتها ولا محاسبتها. و لا توجد ثانية واحدة خالية من الاثارة، و كان ذلك نتيجة لمهارة المخرج «توني سكوت» و الأداء المتميز لجميع الممثلين و الأستعمال الذكي للموسيقى التصويرية. و نجح الفيلم كذلك في عرض مشاهد المطاردات لملأ الفراغات في القصة دون أن يشعر المشاهد بأي ملل أو يشك في درجة المنطق فيما يشاهده و دون أن يلاحظ كذلك الأنتقال غير المنطقي أحيانا بين مشاهد الفيلم. و لهذا السبب، فأنه كان من الواضح أن الفيلم لم يكن مأخوذا من رواية، فالرواية عادة تملأ هذه الفراغات و الانتقالات بأحداث تتناسق مع أجزاء الرواية المختلفة كي يكون تطور الأحداث و الشخصيات سلسا. ولم يكن ضرورياً حشو السيناريو بإيحاءات حول العلاقات النسائية لبطل الفيلم، سواء من خلال علاقته الملتبسة والشخصية مع سكرتيرته الشقراء في مكتب المحاماة والتي توحي للمشاهد بوجود علاقة خفية بينهما، أو من خلال علاقة العمل المعقدة مع حبيبته السابقة. ولكن مخرج الفيلم كان بارعا في توضيح ما كان موظف وكالة الأمن القومي مستعدا أن يفعله من أجل ترقية، و اذا كان هذا يعني مقتل أبرياء و تحطيم عوائل بشكل كامل، فليكن. و أظهر الفيلم بنجاح أيضا كيف ينقلب الجميع على الضحية و حتى أصدقاؤه المقربون، فلا يجرؤ أحد على ٳظهار أي تعاطف معه كي لا يتعرض للأذى.
يمثل الفيلم مرحلة هامة للممثل «ول سمث» في مسيرة فنية غير عادية حتى أنهاها بسبب عمل أحمق قام به أثناء حفلة الأوسكار في عام 2022. و كان هذا الممثل بالاشتراك مع المخرج في تصوير شخصية المحامي الذي كان يظن نفسه أذكى من الآخرين، فاذا به يواجه جهة مجهولة تفوقه حنكة و قوة بمراحل. و أما «جين هاكمان»، فقدم ربما أفضل اداء له على الاطلاق، على الرغم من أنه كان في الحقيقة أمتدادا لدور سابق له حيث سبق و أن أدى دورا شديد الشبه لدوره في هذا الفيلم في الفيلم الشهير «المحادثة» The Conversation (1974) حتى أن الصورة التي ظهرت له في سجلات وكالة الأمن القومي كانت مأخوذة من ذلك الفيلم، كما كانت بعض المشاهد في هذا الفيلم مأخوذة من أشهر المشاهد في ذلك الفيلم القديم.
كان واضحا أن الفيلم حوى الكثير من المبالغات، فموظف بارز في وكالة الأمن القومي قد لا تكون لديه كل هذه الأمكانيات التي ظهرت في الفيلم و دون أثارة انتباه الأدارة العليا لوكالة الأمن القومي و السلطات الأمريكية، و بعض التفاصيل مثلت تحديا للمنطق بالنسبة لتطور الأحداث. و لكن الفيلم بين بشكل مقنع و عام مدى قدرة وكالة الأمن الوطني على مراقبة جميع الاتصالات بمختلف انواعها على الرغم من بعض المبالغات، فتوجيه الأقمار الاصطناعية لا يتم بهذه السرعة الفائقة و من المستحيل تحديد موقع شخص داخل بناية ضخمة بدون أجهزة تجسس داخلية حتى بالتقنية الحديثة، و كذلك تحليل الكم الهائل من المعلومات في الواقع أكثر تعقيدا مما ظهر في الفيلم. و مع ذلك، فان الكثير من الأساليب الالكترونية التي ظهرت في الفيلم تبدو قديمة بالنسبة للأساليب الحديثة، فمثلا لم تظهر تقنيات الطيارات المسيرة و آلات التصوير في شوارع المدن و أنظمة قراءة أرقام السيارات و غيرها من التقنيات التي تعد طرق فعالة في المراقبة في الوقت الحاضر و التي تجعل الأختفاء عن أعين الدولة عملية شبه مستحيلة.
أثار الفيلم لغطا بين المعلقين حول انعدام وجود الحرية الشخصية في العصر الحديث. و لكن النقاد غفلوا تماما عن جانبين أكثر أثارة من ذلك، و الأول هو قابلية الحكومة على السيطرة على مسيرة المواطن المهنية و حياته الشخصية، و بالتالي تحطيمه بسهولة ان ارادت. و في الحقيقة أن قابلية الحكومة في هذا المجال تفوق ما بدا في الفيلم بكثير. و ما ظهر في الفيلم لا ينحصر على بلد واحد، بل جميع البلدان في العالم لاسيما البلدان المتقدمة مهما أدعت تلك الحكومات العكس، فأية حكومة تستطيع منع المواطن من أستعمال بطاقات الأعتماد بسهولة بالغة، كما تستطيع الضغط على ادارة محل عمله لفصله لأتفه الأسباب. و أما الجانب الثاني و الأكثر خطورة في الفيلم كان جرأة و قابلية موظف بارز في جهاز المخابرات على استعمال امكانيات جهاز المخابرات لتحقيق مآربه الشخصية، سواء أكانت متوافقة مع أو مضادة لأهداف ذلك الجهاز. و تتسرب أحيانا أخبارا حول هذا النوع من التصرف الفردي على الرغم من حرص أجهزة المخابرات في جميع أنحاء العالم على اخفاء هذا الجانب. و قد تم أكتشاف محاولات ناجحة لموظفي المخابرات في استعمال الأجهزة التي يعملون لديها في مراقبة فتيات لأغراض عاطفية أو رجال منافسين في الجانب العاطفي أو المهني أو محاولة الحصول على معلومات صناعية أو مالية لبيعها أو الاستفادة منها تجاريا أو تزويد جهات معادية بمعلومات سرية أو الأتصال بتنظيمات اجرامية لتنفيذ عمليات أجرامية. و اذا كانت نهاية الفيلم سعيدة، فقد كان ذلك بمنتهى التفاؤل لأن المواطن العادي لا يملك أية وسيلة للمقاومة في أغلب الأحيان، بل أنه على الأغلب لن يكتشف سبب سوء حظه أصلا. و على الرغم من بعض المبالغات في الفيلم التي أضيفت لتقوية التأثير الدرامي للأحداث على المشاهد، فان الفيلم يجعل القاريء يتساءل عن ما تستطيع الادارات العليا لاجهزة المخابرات ان تفعله اذا كان موظف بارز فيها قادر على كل ذلك بمبادرة شخصية من قبله.
يخفي أعتماد الفيلم الكامل على التقنيات الالكترونية أحد أهم العوامل في مجال خطورة الفساد في العمل الاستخباري، ألا و هو المخبرين الذين يتعاملون مع أجهزة المخابرات. و الكثير من هؤلاء المخبرين مجرمين أو مضطربين نفسيا، كما انهم يتمتعون بحماية الأجهزة الأستخبارية التي يزودونها بالمعلومات على الرغم من معرفتها بطبيعة شخصياتهم. و لذلك يستطيع المخبرون تزويد الأجهزة الاستخبارية بطريقة تخدم مصالحهم الشخصية. و قد يكون أفضل فيلم في عرض هذا الجانب الفيلم المصري «ملف في الآداب».
لم يكن فيلم «عدو الدولة» الوحيد في هذا مجال الفساد في اجهزة المخابرات، فقد انتجت أفلاما شهيرة حول هذا الموضوع، مثل «ثلاثة أيام للكوندور» (1975)، و «الراعي الجيد» (2006) و غيرهما.

كاتب عراقي

✎

فريق تحرير العرب الاخبارية

فريق التحرير في العرب الاخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق