اليمن بين مشروعين: استعادة الجمهورية أم عودة الإمامة؟

منذ ساعة

في الوقت الذي أعلن فيه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بدء العمليات العسكرية لـ»استعادة ما تبقى من أراضي الجمهورية»، كان «أنصار الله» (المعروفون بالحوثيين) يحققون على الأرض تقدما كبيرا على الأرض، في مفارقة تكشف المسافة بين إعلان الحرب الشاملة، الذي يمثّله تصريح العليمي، والقدرة على تغيير موازين القوة الفعلية التي يكشف عنها الحوثيون، الذين تمكنوا من قطع الطريق الحيوي بين تعز وعدن وعزل المدينة إلى حد كبير عن عمقها الجنوبي وذلك بعد تقدمهم الكبير في 11 من الشهر الماضي الذي أدى إلى سيطرتهم على باب المندب وشريط الساحل الغربي لليمن.
لجوء العليمي إلى الحديث عن «استعادة الجمهورية» يستدعي أحد أكثر لحظات التاريخ اليمني الحديث حضورا في الذاكرة السياسية لليمنيين: ثورة السادس والعشرين من أيلول/ سبتمبر 2691 التي أطاحت بنظام الإمامة في شمال اليمن وأقامت الجمهورية. ارتبطت الجمهورية، في وجدان قطاع واسع من اليمنيين، بالخروج من حكم ديني وراثي قائم على أحقية سلالية في السلطة، وباستنهاض أفكار المواطنة والدولة الحديثة.
يحاول العليمي استعادة هذا الإرث في مواجهة الآلة الأيديولوجية للحوثيين التي تقوم على شبك النزعتين المذهبية والوطنية ضد خصومها في اليمن. كرر العليمي في خطاباته خلال الأشهر الماضية الحديث عن منع «عودة الإمامة» ومواجهة أفكار الحق الإلهي والتفوق الوراثي، وبذلك يضع الرئيس اليمني الجمهورية مقابل الإمامة، والمواطنة في مواجهة الامتياز السلالي.
نجح الحوثيون خلال سنوات الحرب في بناء منظومة قوة لا تقوم على السلاح وحده، بل تجمع مركزة القيادة، والتنظيم العسكري، والسردية الدينية – السياسية التي تمزج العقيدة بالنزعة الوطنية ومقاومة «التدخّل الخارجي»، بحيث نجحت في تقديم آلة إعلامية تقدم رواية موحدة للحرب وتسوقها لليمنيين بشكل لا يقل أهمية عن قوة الصواريخ والطائرات المسيّرة. انكشف مؤخرا أن الحوثيين أضافوا إلى قوتهم أيضا عنصرا تكنولوجيا جديدا، فقد كشفت شركة أنثروبيك أنها عطلت نشاط خلية مقرها شمال اليمن استخدمت الذكاء الصنعي للمساعدة في تطوير برمجيات توجيه وتحكم صاروخية ومحاكاة صاروخ باليستي متعدد المراحل، ورغم أن التقرير لم يشر بالتحديد إلى الحوثيين، لكنه يكشف إلى أي حد أصبحت «النماذج اللغوية الكبيرة» بيئة ممكنة لتطوير سلاح في حروب المنطقة.
يملك المعسكر المناهض للحوثيين موارد أكبر، وربما يملك أيضا سردية وطنية يمكن البناء عليها وتفكيك التهافت في السردية الحوثية، فـ»التدخّل الخارجي» ينطبق على علاقة الحوثيين الطارئة بإيران، وبقدر ما يبدو فيه مشروع الحوثيين تفكيكا للدولة، واشتغالا على مذهبتها، يصبح دفاع السعودية عن إرث «الجمهورية اليمنية» عاملا لوحدة اليمن لا تفكيكه.
غير أن هذا لا يعفي طرح العليمي من ضرورة النقد، فعلى الرئيس اليمني أن يجيب على أسئلة صعبة مثل: أي جمهورية، وأي دولة، وكيف يمكن أن تجمع «الجمهورية» تحتها قوى بعضها يتمسك بوحدة اليمن وبعضها الآخر يقوم مشروعه السياسي على الانفصال؟
تستطيع الضربات الجوية تدمير مخازن سلاح ومنصات إطلاق، وقد تستعيد القوات الحكومية طرقا ومدنا لكن تجربة الحرب منذ عام 2015 تؤكد أن السيطرة الجوية وحدها لا تنتج نظاما سياسيا ولا تبني جيشا موحدا ولا تقدم للناس سببا للقتال تحت راية واحدة.
يبدو أن المعركة الحقيقية التي تواجه العليمي وحلفاءه لا تبدأ من خطوط القتال بل من قدرتهم على تحويل «الجمهورية» من ذكرى تاريخية وشعار تعبوي إلى مشروع سياسي يمكن أن يجمع القوى المتعددة وينتج خطابا قادرا على مناهضة الحوثيين، يوازي ذلك إعلام يفهم أن الحروب الحديثة تُخاض على تفسير الحدث وتقديم المعلومات الحقيقية لليمنيين بقدر ما تُخاض على الأرض ومن السماء.

✎

فريق تحرير العرب الاخبارية

فريق التحرير في العرب الاخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق