سوريا السريانية والثقافة البصرية

منذ ساعة

مضى زمن، خلال أطوار الطفولة وأوّل اليفاعة، كان من أسخى أقدار هذه السطور أن تفقه كلمات كثيرة، وبعض الجمل المفتاحية الأساسية، في اللغات السريانية والآشورية والأرمنية؛ بفضل خلان وأصحاب وزملاء دراسة ورفاق تنظيم سياسي، ولدوا لهذه الطوائف المسيحية. وذلك في مسقط الرأس، مدينة القامشلي، التي سبقت إشارات سِيَرية سالفة لجهة تمتعها، خلال معظم عقود القرن العشرين، وحتى الساعة وإنْ بدرجات أدنى مؤسفة، بنطاق هائل ومذهل من الثراء التعددي في الإثنيات واللغات واللهجات والسكان.
بذلك فإنّ بهجة هذه السطور تجاوزت الاستزادة المعرفية، الثمينة تماماً، إلى استعادة سلسلة غامرة من المشاعر النوستالجية، عند قراءة كتاب «الثقافة البصرية في تراثات سوريا القروسطية»، الذي أشرفت على تحريره إميلي شيسلي؛ وشارك في كتابة فصوله ثمانية من المختصين والمختصات بتاريخ المنطقة وآثارها، وفنونها الشفهية والأدائية على نحو خاص. وإلى جانب مصادره السريانية أساساً، تعود المشاركات إلى مراجع بلغات عربية وأرمنية وصينية وقبطية وفرنسية وألمانية وجورجية وإيطالية وسلافية وتركية.
والكتاب لا يتناول العلاقات بين أنشطة إنتاجية مثل الزراعة وتمثيلاتها في فنون الغناء ورسم الأيقونة والتزيين والغناء والطقوس الاحتفالية المختلفة، فحسب؛ بل كذلك أواصرها الحضارية، وللمرء أن يضيف: الجيو ــ سياسية بمصطلحات زماننا، مع مراكز عمران وقوى إمبراطورية إقليمية وعابرة للمنطقة أيضاً. مع تنويه ضروري إلى أنّ هذه الفصول بدأت كأوراق بحثية، خلال مؤتمر حول الأيقونة والثقافة البصرية السريانية، نظمته جامعة برنستون الأمريكية، في أيلول (سبتمبر) 2021.
وعلى نحو لا يُقصي متعة السياحة عن شغف الإبحار المعرفي في الفنون السريانية السورية المختلفة، إذْ تُزار (بصرياً، كما في الوسع القول!) أديرة كبرى وأخرى صغرى؛ يجول القارئ في رحاب صيدنايا، ومعلولا، ووادي النصارى، وكاتدرائيات سيدة النياح والمريمية وحنانيا وسواها في محيط حمص وحلب ودمشق، ويقرأ فوتوغرافياً عشرات الصور التوثيقية التي يتيح تفحّص تفاصيلها الكثير من المعلومات المدهشة، إنسانياً وأدائياً وعمرانياً. ومن نافل القول إنّ أبحاث الكتاب تنحاز إلى، وتجهد لإثبات، أنّ التراثات البصرية كانت حاضرة على أكثر من نحو متناسق ومتكامل؛ الأمر الذي لا ينفي، ولا ينكر طبعاً، الفرضيات الشائعة حول خصائص العمارة في المواقع السريانية، بل يقيم ما يشبه العلاقات السببية معها.
ولعلّ من الخير أن يُقرأ هذا الكتاب الجديد، الفريد والمُحكم، على خالفية حقيقة ماثلة، مفادها أنه ما من شجارات معاصرة في ميدان الأركيولوجيا أشدّ ضراوة من تلك التي تدور حول حضارات وادي النيل، وبلاد الرافدين، والساحل السوري، وفلسطين الكنعانية. وليس في وسع المرء أن يعثر بسهولة على أيّ نوع من الإجماع المتقدّم حول هذه المئوية أو تلك من عمر الإنسانية في تلك الأحقاب، فكيف بأعمار حضارات بأسرها. ولا يمرّ شهر دون أن يصدر كتاب جديد يأخذ صفة مفاجأة مدوية، لأنه ببساطة يُضعف، وأحياناً ينسف، ثوابت تاريخية راسخة كالجبال الرواسي؛ لسبب جوهريّ أوّل هو أنه لا بدّ أن يتقاطع مع أكاذيب (قبل حقائق) أرشيف «تاريخي» ذي طابع مقدّس، هو التوراة.
وثمة، في المقابل، خيار آخر أشدّ إثارة للعجب من نشوب الشجارات بمفعول رجعي، هو تعليق كلّ وأيّ شجار، أو تجميده، أو تأجيل النظر فيه إلى أجل غير مسمّى. المثال الأبرز هو ما جرى بصدد مدينة إيبلا التاريخية السورية، الواقعة في تل مرديخ جنوب مدينة حلب. ففي عام 1974 تمّ العثور على أولى النماذج من 1400 مخطوط على هيئة رُقَم فخارية، مكتوبة بلغة مسمارية قريبة من السومرية القديمة؛ تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وتبرهن على وجود حضارة سورية قديمة كانت تنافس مصر وسومر وبابل.
الألواح ظلّت من دون ترجمة شاملة (أي دون قراءة، عملياً)، بذريعة أنّ أبجدية اللغة الإيبلائية معقدة وغير معروفة لدى الباحثين، أمّا حقيقة الأمر فهي أنّ قراءتها قد تنسف الكثير من التاريخ العبراني كما ترويه التوراة، خصوصاً في سوريا، ومن الخير أن تبقى طيّ المجهول؛ أو، الأصحّ في واقع الأمر: أن تُبقى دفينة الكتمان والإغفال، وكأنها لم تُكتشف أصلاً.
إلى هذا، ثمة بحث لافت على نحو خاصّ، كتبه شارلز أنتوني ستوارت، يقيم الصلات ويعقد المقارنات بين طقوس/ فنون الشعائر الجنائزية السريانية، وتلك السائدة في منطقة جنغجيانغ الصينية؛ ليس على سبيل افتراض تماسّ مباشر بين المنطقتين والشعبين، بل في سياق ترسيم عمق إنساني، مستقلّ ومتناغم في آن، في قلب الأنشطة الثقافية ذات الطابع البشري السلوكي والحضاري.
ويبقى أنّ الكتاب مناسبة جديدة لوضع حكومة أحمد الشرع الانتقالية أمام مسؤوليات جوهرية حاسمة في حماية المواقع الأثرية والآثار في المتاحف، إذْ إنّ حجم نهب الآثار السورية والاتجار بها، بين عامي 2011 و2020 فقط، يشير إلى تخريب أو سطو منظّم طال 29 متحفاً (أبرزها في المعرّة وتدمر والرقّة)، و40635 قطعة أثرية؛ كما أنّ 10 متاحف أخرى تعرّضت بدورها لأعمال سرقة ولم تتوفر معطيات ملموسة حولها.
والكتاب أيضاً بوابة أخرى على دروب تعافي سوريا الشعب والتاريخ والبلد؛ تبدأ من ثقافة سريانية، ولا يتوجب أن تنتهي عند أيّ من الثقافات، قاطبة.

✎

فريق تحرير العرب الاخبارية

فريق التحرير في العرب الاخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

أخبار ذات صلة

0 تعليق