كما كان متوقعا، تم تعيين فاطمة المنصوري منسقة حزب الأصالة والمعاصرة رئيسة للحكومة، في احترام تام لروح الدستور وشكله، تماما كما كان الوضع في تعيين رئيس كل من حكومة 2012 و2016 و2021، لكن هذه المرة، تم تسجيل تطور نوعي بتعيين أول امرأة رئيسة للحكومة في تاريخ المغرب السياسي، يتوج مسار سياسة تمكين المرأة وتعزيز مشاركتها في العملية السياسية، فبعد أن ساهم نظام الكوتا في حمل النساء إلى قبة البرلمان، وتمكنت أخريات من الفوز بمقاعدهن ضمن اللوائح المحلية، جاءت خطوة توزير النساء، ثم تلتها هذه الخطوة النوعية بتعيين امرأة على رأس الحكومة.
ومهما يكن من دلالة هذا التعيين، فإنه لا يغطي على التحديات الجدية التي تواجه رئيسة الحكومة المعنية، فالسيدة المنصوري التي تقلدت هذا المنصب بسبب تصدر حزبها للانتخابات، موضوعة وهي وحزبها أمام التحدي الصعب، فلطالما نُظر لحزبها على أساس أنه حزب السلطة الأغلبي، الذي خلق بعد انتخابات 2007 ليكون بديلا عن فراغ المشهد السياسي وهيمنة الإسلاميين عليه، وبقيت التهمة التي تواجهه إلى اليوم أنه متلبس بخطيئة الولادة، وعلى الرغم من أن عددا من أمناء عامين كثر تداولوا على ترؤس هذا الحزب، فإن أحدا منهم لم يستطع بالمطلق أن يدشن مراجعات حقيقية، تعالج هذه الخطيئة، وتقنع بأن الحزب أصبح حزبا طبيعيا على مسافة من السلطة، يمتلك إيديولوجية تكسبه القدرة على بناء حاضنة اجتماعية مثل ما للقوى الوطنية والديمقراطية، فتركيبته السوسيولوجية، تشي بأنه لا يفترق في شيء عن الأحزاب الإدارية، التي تؤثث بنيتها التنظيمية بالأعيان ولوبيات المال والأعمال التي تتحسس مزاج السلطة، وتمارس لعبتها المفضلة في الترحال السياسي من حزب لآخر.
البعض يرى أن مشكلة فاطمة المنصوري هي أن تفي بوعود حزبها في معالجة تهاوي القدرة الشرائية وتضخم ظاهرة تضارب المصالح وإصلاح الأعطاب التي اعترت تنزيل مقتضيات الدولة الاجتماعية، لكن تقديري أن مشكلتها الكبرى هي في الخطوة الأولى، أي في تشكيل الحكومة، فطبيعة هذه الحكومة وتركيبتها، ستعطي صورة عن حدود الإمكان والقدرة على معالجة هذه التحديات.
الخيار الأيسر بالنسبة فاطمة المنصوري أن تبقي على مكونات الحكومة السابقة، فهذا الخيار غير متعب بالنظر إلى متطلبات المشاورة السياسية، إذ يوفر تفاوضا سلسا، يمكن حزبها من الهيمنة على قطاعات وزارية وازنة تمكنه من تنفيذ برنامجه الانتخابي، لكنه يحكم على الحكومة من البدء بالفشل، فالتصويت الذي طبع استحقاقات 2026 التشريعية، كان في جزء منه عقابيا، وعلى الرغم من أن النصيب الأوفر من فقدان المقاعد مس « التجمع الوطني للأحرار»، ونسبيا حزب الاستقلال، فالرسالة السياسية وراء ذلك، أن السلوك الانتخابي، يرفض استمرار هذه الحكومة، ويرفض بشكل خاص أن يستمر حزب «الأحرار» فيها، والإقدام على تشكيل حكومة من هذا التحالف الثلاثي، يعني منذ البدء مصادمة مزاج الرأي العام، مما يعني أزمة شرعية.
مشكلة فاطمة المنصوري هي أن تفي بوعود حزبها في معالجة تهاوي القدرة الشرائية وتضخم ظاهرة تضارب المصالح وإصلاح الأعطاب
كان أمام فاطمة المنصوري، أو بالأحرى حزبها، خيار تاريخي، يحقق لها وله كل المكاسب: معالجة خطيئة الولادة، والتعبير عن إرادة الناخبين، واكتساب الشرعية السياسية المفقودة، فضلا عن طي صفحة الماضي برمته، بما في ذلك ماضي الصراع مع الإسلاميين، وماضي الحكومة السابقة المؤلم، لكن هذا الخيار التاريخي، الذي كان يضمنه التحالف مع حزب الاستقلال والعدالة والتنمية، لم يعد ممكنا بعد قرار المجلس الوطني للعدالة والتنمية رفض التحالف مع الأصالة والمعاصرة واختيار موقع المعارضة، والأظهر، أن المشاورات التي ستقوم بها رئيسة الحكومة المعنية مع هذا الحزب، ستكون لمجرد البروتوكول، وأيضا لتأمين الاعتدال في المعارضة، بدل القوة والحدة التي واجه بها العدالة والتنمية حكومة عزيز أخنوش، خاصة وأن حزب ابن كيران صار يمتلك 54 برلمانيا، أغلبهم من المتمرسين، وليس فقط 13 برلمانيا كما كان في السابق.
كثير من المحليين عددوا خيارات رئيسة الحكومة المعنية الواسعة لتشكيل الحكومة، لكن الأمر لا يتعلق فقط بتأمين أغلبية عددية، تحمي الحكومة من الصدمات، وخاصة ملتمس الرقابة عليها أو تكوين لجان تقصي الحقائق ضد بعض سياساتها، وإنما يتعلق بالجواب عن ثلاثة أسئلة، أولها، سؤال الهوية والمرجعية، وثانيها، سؤال الانسجام السياسي، وثالثها نوع المعارضة وإشكال التوازن بين الأغلبية والمعارضة في المؤسسة التشريعية.
من المهم أن يؤخذ بعين الاعتبار أن حكومة السيدة فاطمة المنصوري جاءت في لحظة جد صعبة، فمهما تباينت التحليلات حول نتائج الانتخابات، فالثابت أنها جاءت في جزء منها تصويتا عقابيا على الحكومة السابقة، التي في عهدها شهدت المؤسسات التعليمية أكبر وأطول احتجاج (أربعة اشهر تقريبا)، وانتفضت حراكات فئوية مست جميع القطاعات، وعرف المغرب حراك جيل (ز) الذي تحرك في جل المدن، وتحول بعضها إلى مواجهة مع قوى الأمن، وسجلت خسائر بشرية ومادية مؤلمة، وفي نهاية ولايتها تدفق حوالي 80 ألف مهاجر غير نظامي إلى سبتة، صرح أغلبهم أن ما دفعهم لترك المغرب هو تدهور الظروف المعيشية، وفي عهدها أيضا سجلت أعلى نسبة بطالة بواقع 13 في المائة، وسجلت التقارير الرسمية تفاوت التنمية بين مناطق المركز ومناطق الهامش.
فهذا الواقع يضغط على السيدة فاطمة المنصوري ويجبرها على أن تبعد من الطاولة الخيارات، وأن تمضي رأسا إلى المقاربة السياسية، بالاتجاه إلى فرقاء سياسيين، يتقاربون مع حزبها في الهوية «الحداثية التقدمية»، وفي التدابير والإجراءات، وفي الآن ذاته، لا تعطي الفرصة لتشكل معارضة واسعة من كل الأطياف، تكون الحكومة عرضة للسقوط في مواجهة أول تحد لها.
الخيار الوحيد الذي يتيح هذه الإمكانية أن تتجه إلى أحزاب الكتلة الديمقراطية، أي حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، فهذا الخيار يضمن لها تقاربا مرجعيا وهوياتيا، إلا ما كان من محافظة حزب الاستقلال، فقد أبان نقاش مدونة الأسرة أنها غير مؤثرة، وأنه لا يمانع في تبني أطروحات بعيدة عن مرجعيته المحافظة. كما يضمن هذا الخيار لها شرعية سياسية تجيب جزئيا عن أزمة الخليقة، فوجودها في حضن الكتلة الديمقراطية يكسب حزبها شرعية الاصطفاف إلى مكونات الحركة الوطنية والديمقراطية، ويحقق هدف عزل العدالة والتنمية عن حليفه حزب التقدم والاشتراكية، ويجيب في الآن ذاته، عن مشكلة قلة المتحدثين داخل الأصالة والمعاصرة، فهذه التوليفة، تضمن حدا أدنى من التوازن مع المعارضة التي ستكون مشكلة في الجوهر من العدالة والتنمية وتحالف قوى اليسار.
عمليا، لا يمكن أن تعاند قيادة الاتحاد الاشتراكي هذا الخيار، فقد كانت تتمنى المشاركة في حكومة أخنوش، وما اختارت المعارضة إلا اضطرارا، في حين، قد يكون موقف التقدم والاشتراكية مختلفا، وهو الذي لم يختلف في موقفه من «البام» عن العدالة والتنمية، لكن عدم إعلان الحزب المبكر عن موقف الرفض، وتمسك الحزب بقيادة نبيل بن عبد الله على الرغم من إعلانه مغادرة القيادة بسبب نتائج الانتخابات، تعطي صورة عن الدور الذي يمكن أن يلعبه أمينه العام، فهو يملك اليوم مفاتيح هذا التحالف، وإن كان تغيير موقفه من الأصالة والمعاصرة، ثم المشاركة في حكومته سيكون مكلفا لحزبه إيديولوجيا وسياسيا وشعبيا.
٭ كاتب وباحث مغربي
- 16 حالة يجوز فيها إفشاء أسرار المرضى
- «المهندسين»: مشاركة الكفاءات الكويتية بالمحافل العربية لتبادل الخبرات والتجارب
- سفير أوزبكستان: نتطلع إلى شراكة أوسع مع الكويت في الاقتصاد والاستثمار والسياحة والتكنولوجيا
- رنا الفارس: مخرجات اجتماع وزراء مكافحة الفساد الخليجي تعزز التكامل وترسخ الشفافية
- وزيرة التنمية والاستدامة: الكويت ماضية في ترسيخ الاستدامة وتعزيز العمل البيئي العربي المشترك

















0 تعليق