تشهد منطقة القرن الإفريقي خلال الأيام الأخيرة تصعيدًا متسارعًا تجاوز الخلافات السياسية التقليدية، ليتحول إلى أزمة إقليمية متعددة الأطراف، تتداخل فيها الحرب الداخلية في إثيوبيا مع الخلافات حول البحر الأحمر، وسد النهضة، وأمن الحدود السودانية، والعلاقات المصرية الإريترية.
وخلال الأول من أكتوبر 2026، اتخذت إثيوبيا سلسلة إجراءات دبلوماسية متزامنة ضد إريتريا ومصر، بالتزامن مع تجدد القتال في شمال البلاد، فيما ردت أسمرة بقطع العلاقات الدبلوماسية مع أديس أبابا.
البداية.. تجدد القتال في شمال إثيوبيا
التصعيد الحالي ارتبط بتجدد المواجهات بين الحكومة الإثيوبية وقوات مرتبطة بجبهة تحرير شعب تيغراي، بعد فترة من الهدوء النسبي أعقبت اتفاق بريتوريا الذي أنهى الحرب السابقة في تيغراي.
وتقول تقارير حديثة إن تحالفًا من جماعات مسلحة إثيوبية معارضة للحكومة دخل في مواجهات جديدة مع القوات الفيدرالية، فيما اتسعت رقعة القتال في مناطق من تيغراي وأمهرة وعفار.
ومع اتساع المواجهات، بدأ الخطاب الرسمي الإثيوبي يربط الأزمة الداخلية بما تعتبره أديس أبابا تدخلات أو دعمًا خارجيًا.
إثيوبيا تتهم مصر والسودان وإريتريا
في أواخر سبتمبر، اتهم قائد الجيش الإثيوبي المشير برهانو جولا إريتريا والسودان ومصر بدعم قوى مسلحة معارضة للحكومة الإثيوبية.
وقال المسؤول العسكري الإثيوبي إن قوى خارجية تدعم التحالفات المسلحة التي تقاتل الحكومة، ووضع إريتريا في موقع الوسيط أو حلقة الاتصال بين بعض هذه القوى ودول أخرى، من بينها مصر والسودان.
لكن هذه الاتهامات لم تُثبت بشكل مستقل، كما نفت الأطراف المعنية الاتهامات المتعلقة بدعم الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا.
القاهرة ردت بالتأكيد على أن سياستها الخارجية تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ووصفت الاتهامات التي تشكك في هذا المبدأ بأنها بلا أساس.
أما السودان، فقد نفى بدوره دعم قوات تيغراي، في الوقت الذي وجه فيه مسؤولون سودانيون اتهامات مضادة لإثيوبيا بشأن دعم قوات الدعم السريع واستخدام الأراضي الإثيوبية في عمليات مرتبطة بالحرب السودانية.
لماذا انفجرت الأزمة بين إثيوبيا وإريتريا؟
العلاقة بين أديس أبابا وأسمرة تحمل تاريخًا طويلًا من الحرب والعداء، قبل أن تشهد انفراجة كبيرة عام 2018.
لكن الخلافات عادت تدريجيًا، خصوصًا حول أمن الحدود ومسألة الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر.
إثيوبيا، الدولة الحبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993، تعتبر الوصول إلى البحر مسألة استراتيجية واقتصادية، بينما تنظر إريتريا إلى أي تحرك إثيوبي باتجاه موانئها باعتباره قضية سيادة وأمن قومي.
ومع تصاعد الحديث الإثيوبي عن ضرورة الحصول على منفذ بحري، أصبحت موانئ البحر الأحمر، وعلى رأسها عصب، جزءًا حساسًا من الحسابات بين البلدين.
1 أكتوبر.. القطيعة بين أديس أبابا وأسمرة
في الأول من أكتوبر، أعلنت الخارجية الإثيوبية إغلاق سفارتها في العاصمة الإريترية أسمرة، كما أعلنت عشرة دبلوماسيين إريتريين في أديس أبابا أشخاصًا غير مرغوب فيهم، ومنحتهم 48 ساعة لمغادرة البلاد.
وبررت أديس أبابا القرار باتهام الدبلوماسيين بالمشاركة في أنشطة قالت إنها تشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الإثيوبي، كما تحدثت عن أعمال عدائية مباشرة وغير مباشرة من جانب إريتريا.
ولم تقدم الخارجية الإثيوبية تفاصيل علنية عن طبيعة الأنشطة التي استندت إليها في قرار الطرد.
الرد الإريتري جاء سريعًا، إذ أعلنت أسمرة قطع جميع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا، معتبرة الإجراءات الإثيوبية غير مبررة، وهو ما نقل الأزمة إلى مستوى جديد من القطيعة الرسمية.
وماذا حدث مع مصر؟
في اليوم نفسه، أعلنت إثيوبيا أيضًا اعتبار دبلوماسي مصري، أحمد محرم أحمد سليمان، شخصًا غير مرغوب فيه، وأبلغت السفارة المصرية بضرورة مغادرته البلاد خلال 48 ساعة.
وقالت الخارجية الإثيوبية إن القرار يستند إلى اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية.
وجاء الرد المصري على التحركات الإثيوبية حيث أعلنت القاهرة أن مستشار السفارة الإثيوبية بالقاهرة شخصًا غير مرغوب فيه، وإمهاله 48 ساعة لمغادرة الأراضي المصرية، تطبيقًا لمبدأ المعاملة بالمثل.
وأكد مصدر مصري مسؤول أن القرار الإثيوبي بحق عضو السفارة المصرية يعد إجراءً مؤسفًا وغير مبرر، مشددًا على أن السياسة الخارجية المصرية تقوم على احترام سيادة الدول ووحدتها وسلامة أراضيها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
وشدد المصدر على أن القاهرة ما دام أكدت رفضها التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وعدم التعليق على الأحداث الداخلية في الدول الأخرى، ومن بينها إثيوبيا، التزامًا بقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وهنا ظهرت الأزمة المصرية الإثيوبية بشكل مباشر على المستوى الدبلوماسي، بعد أسابيع من تصاعد الاتهامات الإثيوبية للقاهرة بشأن موقفها من التطورات داخل إثيوبيا.
وتأتي هذه الخطوة فوق خلفية خلافات أوسع بين البلدين، أبرزها ملف سد النهضة، إضافة إلى التنافس على النفوذ في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
أين يقف السودان من الأزمة؟
السودان يمثل الحلقة الأكثر حساسية في هذه المعادلة؛ فهو مرتبط بإثيوبيا بحدود مباشرة، وبمصر بعلاقات تاريخية وأمنية وسياسية، كما أن الحرب السودانية جعلت الحدود الشرقية للبلاد جزءًا من الحسابات العسكرية الإقليمية.
وتصاعدت خلال سبتمبر الاتهامات المتبادلة بين الخرطوم وأديس أبابا بشأن النشاط العسكري على الحدود وأيضا رفض زيارة مدير المخابرات الإثيوبية إلى الخرطوم وذلك مع تصعيد الأوضاع في إقليم التيغراي.
وتشير تحليلات حديثة إلى أن الحرب السودانية والنزاع الإثيوبي الداخلي باتا يتداخلان بصورة متزايدة، خصوصًا مع أهمية مناطق الحدود بين السودان وإثيوبيا في حركة القوات والجماعات المسلحة.
مصر وإريتريا.. تقارب في مواجهة التحولات الإقليمية
في المقابل، شهدت العلاقات المصرية الإريترية خلال الفترة الأخيرة اتصالات مكثفة.
وفي 24 سبتمبر 2026، التقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي نظيره الإريتري عثمان صالح، حيث بحث الجانبان تعزيز العلاقات الثنائية والتنسيق بشأن القضايا الإقليمية.
وأكدت القاهرة خلال اللقاء دعمها لسيادة إريتريا ووحدتها وسلامة أراضيها، كما ناقش الطرفان أمن البحر الأحمر وتطورات السودان والقرن الإفريقي.
هذا التقارب لا يعني بالضرورة وجود تحالف عسكري معلن ضد إثيوبيا، لكنه يعكس تزايد أهمية إريتريا في الحسابات المصرية المتعلقة بالبحر الأحمر وأمن القرن الإفريقي.
سد النهضة.. الملف الذي لا يزال في الخلفية
رغم أن التصعيد الحالي يرتبط بصورة مباشرة بالوضع الأمني داخل إثيوبيا والعلاقات مع إريتريا، فإن ملف مياه النيل يظل أحد أهم جذور التوتر المصري الإثيوبي.
إثيوبيا ترى سد النهضة باعتباره مشروعًا تنمويًا وسياديًا، بينما تتمسك مصر بضرورة وجود ترتيبات ملزمة بشأن قواعد الملء والتشغيل بما يحمي مصالحها المائية.
وفي الأول من أكتوبر، أعلنت إثيوبيا تشكيل لجنة وطنية لتقييم ما وصفته بالخسائر الاقتصادية والفرص التنموية التي تقول إن مشروعاتها المائية تعرضت للعرقلة بسبب مصر، وهي خطوة تضيف مسارًا جديدًا إلى الخلاف بين البلدين.
البحر الأحمر.. مفتاح لفهم الأزمة
الجانب البحري ربما يكون العامل الأكثر أهمية لفهم التشابك الحالي.
إثيوبيا تريد تأمين وصول مستدام إلى البحر، بينما ترى إريتريا أن أراضيها وموانئها ليست ورقة تفاوض مفتوحة أمام أديس أبابا.
وفي الوقت ذاته، تنظر مصر إلى البحر الأحمر باعتباره مجالًا استراتيجيًا يرتبط مباشرة بأمن قناة السويس والملاحة الدولية، ولذلك تتابع القاهرة عن قرب أي ترتيبات جديدة للقوى الإقليمية في هذه المنطقة.
ومن هنا تتقاطع مصالح مصر والسودان وإريتريا وإثيوبيا في مساحة جغرافية واحدة، لكن بأهداف وحسابات مختلفة.
هل نحن أمام تحالفات جديدة؟
المشهد الحالي لا يشير إلى تشكيل تحالف عسكري رسمي ومعلن بين مصر والسودان وإريتريا ضد إثيوبيا، كما أن طبيعة العلاقات بين الأطراف أكثر تعقيدًا من مجرد معسكرين متقابلين.
لكن الواضح أن هناك تقاربًا في بعض الملفات بين القاهرة وأسمرة والخرطوم، بالتزامن مع تصاعد الخلافات مع أديس أبابا.
وفي المقابل، ترى إثيوبيا أن الضغوط القادمة من عدة اتجاهات أصبحت مرتبطة بأمنها الداخلي وبمحاولات تقييد حركتها الإقليمية.
وتشير تحليلات إقليمية إلى أن النزاعات الداخلية في إثيوبيا والسودان، والخلاف حول سد النهضة، ومسألة الوصول إلى البحر الأحمر، أصبحت ملفات متداخلة بدل أن تكون أزمات منفصلة.
ماذا يعني التصعيد؟
الأخطر في التطورات الحالية أن الخلاف لم يعد محصورًا في البيانات السياسية أو المناوشات الدبلوماسية.
فإثيوبيا تواجه في الوقت نفسه عودة القتال في الشمال، وأزمة متصاعدة مع إريتريا، وتوترًا مع السودان، وتصعيدًا دبلوماسيًا مع مصر.
وفي الأول من أكتوبر، تزامنت الإجراءات الدبلوماسية مع ورود تقارير عن انفجارات في أديس أبابا، وسط تقارير عن ضربات بطائرات مسيرة، بينما أعلنت السلطات قيودًا على تحليق الطائرات المسيرة في العاصمة. ولم تتضح بصورة مستقلة كل ملابسات هذه الأحداث أو الجهة المسؤولة عنها.
وبذلك أصبحت أزمة إثيوبيا الداخلية مرتبطة بشكل مباشر بمحيطها الإقليمي.
في النهاية ما يحدث في القرن الإفريقي حاليًا هو تداخل بين أربعة ملفات رئيسية: الحرب الداخلية في إثيوبيا، والخلاف الإثيوبي الإريتري حول الأمن والوصول إلى البحر الأحمر، والتوتر المصري الإثيوبي حول سد النهضة والنفوذ الإقليمي، والتوتر السوداني الإثيوبي المرتبط بالحرب والحدود.
أما مصر والسودان وإريتريا، فتجمعها في هذه المرحلة مجموعة من المصالح المشتركة، خصوصًا فيما يتعلق بأمن البحر الأحمر وسيادة الدول واستقرار المنطقة، لكن ذلك لا يعني تلقائيًا وجود جبهة موحدة أو اتفاق عسكري مشترك.
والسؤال الأهم خلال المرحلة المقبلة ليس فقط: هل تتصاعد الأزمة بين إثيوبيا وإريتريا؟ وإنما: هل تنتقل المواجهة من أزمة دبلوماسية وحرب داخلية إلى صراع إقليمي أوسع؟
الإجابة ستتوقف بدرجة كبيرة على مسار القتال في شمال إثيوبيا، وعلى كيفية إدارة ملف الوصول إلى البحر الأحمر، وعلى قدرة القاهرة والخرطوم وأسمرة وأديس أبابا على منع الملفات المنفصلة من التحول إلى مواجهة واحدة.
- مصر تدين استهداف محطة كهرباء بالمدينة المنورة في المملكة العربية السعودية
- محمد موسى: المعارضة الإسرائيلية تتوحد لإسقاط نتنياهو وتستعد للانتخابات
- خبير سياسي: إسقاط حكومة نتنياهو أصبح هدفًا مشتركًا بين قوى المعارضة الإسرائيلية
- قصة الـ6 المقبوض عليهم في «متصدقش».. محمد موسى يرصد التفاصيل
- ثروت الخرباوي: «متصدقش» لا تستهدف نشر كذبة واحدة.. الهدف خلق حالة من عدم الثقة


















0 تعليق