كانت رحلة شركة «فلاي دبي» رقم FZ1073 في طريقها من الإمارات إلى تل أبيب أول أمس الأربعاء، وعلى متنها أكثر من 170 شخصا أغلبهم إسرائيليون. وقع اشتباك عنيف داخل قمرة القيادة بين مساعد الطيار وقائد الطائرة الهندي سميت ماتشار. أصيب الكابتن وهوت الطائرة بصورة حادة، ثم تدخل أفراد من الطاقم الاحتياطي وعدد من الركاب، وانتهت الواقعة بهبوط الطائرة في مطار تبوك في السعودية.
اختطف الطاقم الحاكم في إسرائيل الحدث، بسرعة تشبه سرعة انحراف الطائرة عن مسارها، وأخذوا بتحويل القصة إلى حملة علاقات عامة انتخابية وسياسية خبيثة، ابتداء من التأكيد بأن الدافع كان إرهابيا رغم أن الإمارات أعلنت مباشرة تحقيق، وحديث المسؤولين الإسرائيليين عن «عمل إرهابي جهادي»، وعن استخدام المهاجم فأسا (بدل سكين)، وأنه تلقى «تلقينا إسلاميا متطرّفا»، وأنه على صلة بإيران، وعن أن الحادثة تمثل تهديدا واسعا يستدعي إجراءات أمنية واستنفارا وربطا بمحور إقليمي، وفي الوقت نفسه كان الحديث يجري عن «أبطال» إسرائيليين تصدّوا للمهاجم بينهم سبّاك، وعن «طفلة ذكيّة» ساهمت في إحباط الهجوم، وبذلك صنع بنيامين نتنياهو وشركاه معادلة كيميائية متسارعة التفاعل: حادث – إرهاب – جهاد – تلقين إسلامي متطرف – مسؤولية إيران… وصولا إلى النتيجة المنطقية المفترضة: انتخبوني!
لا يتعلّق الأمر بطريقة اختيار الكلمات، فالانتقال من «واقعة خطيرة» إلى «إرهاب جهادي» ثم إلى «تلقين إسلامي» و»صلة إيرانية» هو انتقال بين مستويات مختلفة تماما من المسؤولية والمعنى لكل منها تداعياته الأمنية والسياسية وربما العسكرية.
وفيما لم تتم الإجابة بعد عن كيفية السيطرة على الطائرة، وهو سؤال تتولاه التحقيقات، قام المسؤولون الإسرائيليون بالسيطرة على معنى ما حدث، عشية انتخابات إسرائيلية يخوضها نتنياهو تحت ضغط سياسي داخلي شديد.
قدّمت حادثة «فلاي دبي» مادة مثالية لإعادة بناء الرواية التي يتلاعب بها نتنياهو منذ سنوات: إسرائيل محاصرة بالخطر والأعداء يتربصون بها والأمن هي قضيتها الأولى، وهو الرجل المناسب لعلاج كل هذه القضايا. المفارقة التي تشبه الكوميديا السوداء هنا أن جزءا من الضغط السياسي الداخلي الذي يتعرّض له نتنياهو تركّز مؤخرا على تجاهله المتعمد لتحذير الإمارات له من هجوم «حماس» في 7 تشرين أول / أكتوبر قبل وقوعه بأيام!
تحدّث أنصار رئيس حكومة إسرائيل كذلك عن تحذير قام به نتنياهو عن حدث أمنيّ، واعتبروا ما حصل إثباتا لاحقا لصحة ذلك التحذير لكن زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد قال إن الإحاطة الأمنية لم تكن حول هذا الحادث، وهو أمر يوضّح بدوره درجة هوس نتنياهو وأنصاره بقلب المعاني المتناقضة لصالحه.
لا يحتاج نقد هذا التهافت في الاستخدام السياسي للوقائع إلى التقليل من خطورة ما حصل، فإذا ثبت أن مساعد الطيار حاول عمدا إسقاط طائرة تقلّ مدنيين، فإن الفعل مدان أيّا كانت جنسية الضحايا أو ديانتهم، وأيّا كان الدافع، لكن استنكار الفعل شيء، ومنح نتنياهو حق استخدام أي أمر يحصل في المنطقة لتبرير أفعاله الإبادية ضد الفلسطينيين، أو جعل أي واقعة ضد إسرائيل مبررا لبقاء طاقم التطهير العرقي والإرهاب في الحكم.
إضافة إلى ذلك فإن حديث نتنياهو ووزير حربه عن «عمل جهادي / إرهابي» و»تلقين إسلامي» يُخرج الحادثة بشكل مقصود من إطارها الفرديّ وينظمها ضمن خطاب مناهض للإقليم والمنطقة العربية ولثقافاتها وأديانها عنوانه: «إسرائيل في مواجهة المسلمين»، مؤطرا ما حصل ضمن حرب ثقافية يكون فيها العدوّ كل المسلمين والعرب، وهو ما نشهد تجسّداته العنيفة ضد الفلسطينيين سواء في غزة والضفة الغربية أو في مناطق 48، كما في هجمات إسرائيل المتواصلة على لبنان وسوريا، وهو أمر يتجاهل طبعا أن الشركة التي كانت تنقل الركاب الإسرائيليين إماراتية، وأن السعودية استقبلت الطائرة وعالجت المصابين.
- 16 حالة يجوز فيها إفشاء أسرار المرضى
- «المهندسين»: مشاركة الكفاءات الكويتية بالمحافل العربية لتبادل الخبرات والتجارب
- سفير أوزبكستان: نتطلع إلى شراكة أوسع مع الكويت في الاقتصاد والاستثمار والسياحة والتكنولوجيا
- رنا الفارس: مخرجات اجتماع وزراء مكافحة الفساد الخليجي تعزز التكامل وترسخ الشفافية
- وزيرة التنمية والاستدامة: الكويت ماضية في ترسيخ الاستدامة وتعزيز العمل البيئي العربي المشترك


















0 تعليق