حذر الدكتور مصطفى حجازي، المفكر الاستراتيجي والمستشار السابق لرئيس الجمهورية للشؤون الاستراتيجية والسياسية، من التحولات التي تفرضها التكنولوجيا الحديثة على مفهوم السيادة الوطنية، مشيرًا إلى أن التوسع في إنشاء مراكز المعلومات العملاقة، التي قد تصل أرقامها إلى 40 و50 مليارًا وفقًا لما ذكره، يثير تساؤلات حول قدرة الدول على الاحتفاظ بالسيطرة الفعلية على بياناتها ومعلومات مواطنيها.
وأوضح حجازي، خلال مشاركته في الصالون الفكري الذي ينظمه معهد التخطيط القومي للعام الأكاديمي 2026/2027 تحت عنوان «السيادة في عصر الذكاء الاصطناعي»، أن هذه المراكز تحتاج إلى كميات ضخمة من الطاقة وأنظمة التبريد، وهو ما يؤثر في تحديد مواقع إنشائها، لافتًا إلى أن التحدي لا يتعلق بمكان تخزين البيانات فحسب، بل بمدى قدرة الدولة على التحكم فيها وحمايتها.
السيادة على البيانات تتجاوز مكان تخزينها
وأكد حجازي أن وجود بيانات الدولة داخل حدودها الجغرافية لا يكفي وحده لضمان سيادتها عليها، موضحًا أن الأمر يرتبط بامتلاك التكنولوجيا المستخدمة في تخزين المعلومات ومعالجتها، والقدرة على إدارة الخوادم وتأمينها والتحكم في تشغيلها، إلى جانب موقعها الجغرافي.
وأضاف أن الاعتماد المتزايد على الحوسبة السحابية يجعل بيانات الأفراد ومؤسسات الدول مخزنة على خوادم قد توجد خارج الحدود الوطنية، في حين لا تكون الولاية الفعلية على هذه الخوادم بالضرورة لصاحب البيانات، وهو ما يحد من قدرة الدول على فرض سيطرتها الكاملة على معلوماتها.
وأشار إلى أن استخدام الخدمات السحابية أصبح جزءًا من الحياة اليومية، إذ تنقل الملفات والصور والبيانات المهنية والشخصية إلى هذه الخدمات، أحيانًا دون إدراك المستخدم لطبيعة المكان الذي تُخزن فيه معلوماته أو الجهة التي تملك القدرة على إدارتها والوصول إليها.
ولفت حجازي إلى أن خطورة الأمر تتجاوز البيانات المخزنة حاليًا، لتشمل مراكز المعلومات التي ستعتمد عليها الدول في تحليل مشكلاتها والتخطيط لمستقبلها والتعامل مع تحدياتها الاستراتيجية.
وطرح تساؤلات بشأن الجهة التي تطور نماذج الذكاء الاصطناعي المستخدمة في تحليل القضايا الوطنية، ومكان وجود هذه النماذج، والجهات القادرة على الاطلاع عليها أو اختراقها، معتبرًا أن هذه الأسئلة ترتبط مباشرة بقدرة الدولة على الاحتفاظ باستقلال قرارها والتحكم في الأدوات التكنولوجية التي تستعين بها.
أربعة مستويات للسيادة في عصر التكنولوجيا
وأوضح حجازي أن مفهوم السيادة يمكن قراءته عبر أربعة مستويات، هي سيادة الفرد على ذاته، وسيادة المجتمع، والسيادة الوطنية، وسيادة الدولة، مشيرًا إلى أن هذه المستويات تتأثر بتحولات متداخلة في أربعة مجالات رئيسية، هي الجيوبوليتيك، والجيوستراتيجي، والجيوإيكونومكس، والجيو تكنولوجي.
وأضاف أن الجيوبوليتيك ارتبط تقليديًا بحدود الدولة وسيطرتها على إقليمها واحتكارها استخدام القوة داخله، إلا أن التطورات التكنولوجية تفرض تحديات جديدة على هذا المفهوم، في حين يتعلق المجال الجيوستراتيجي باستخدام الدولة لمختلف عناصر قوتها لتحقيق أهدافها وأولوياتها.
تأثير التكنولوجيا في القرار الاستراتيجي
واستشهد حجازي بالحرب في أوكرانيا، متحدثًا عن دور خدمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية «ستارلينك» التابعة لشركة «سبيس إكس» في دعم الاتصالات المستخدمة في تشغيل المسيّرات الأوكرانية، ومشيرًا إلى أن التحكم في هذه الخدمة يمكن أن يؤثر في القدرات العسكرية للدولة.
ووفقًا للرواية التي طرحها حجازي، فإن خفض سرعة الخدمة أثر في قدرة المسيرات الأوكرانية على أداء مهامها بالدقة المطلوبة، بما يوضح كيف يمكن لقرار تتخذه شركة تكنولوجية خاصة أن ينعكس على القدرات الاستراتيجية لدولة، ويطرح تساؤلات حول حدود اعتماد الدول على تقنيات لا تمتلك السيطرة الكاملة عليها.
كما شدد علي أهمية إعادة النظر في مفهوم السيادة في ضوء التحولات التكنولوجية، بما يتجاوز المفهوم التقليدي القائم على السيطرة الجغرافية، ليشمل امتلاك البيانات والتكنولوجيا والقدرة على التحكم في الأدوات الرقمية التي أصبحت مؤثرة في الأمن والاقتصاد وصناعة القرار.
- «كايرو آي سي تي 2026» ينطلق 7 نوفمبر.. الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات في صدارة الدورة الثلاثين
- مصطفى حجازي: الذكاء الاصطناعي ينقل السيادة إلى فضاء جديد ويعيد تعريف حدود الدول
- أستاذ هندسة بيئية: الدول النامية مهددة بـ"فجوة جديدة" في عصر الذكاء الاصطناعي
- حجازي: مليار روبوت بشري محتمل بحلول 2031.. والذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الاقتصاد
- أنثروبيك تكشف تجاوز «كلود» نظام الدفع للوصول إلى بيانات الناخبين فى أمريكا






