حمام البيت بين الرحمة والانضباط - ترند نيوز

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حمام البيت بين الرحمة والانضباط - ترند نيوز, اليوم الأحد 5 يوليو 2026 08:40 صباحاً

[source+https://trading-secrets.guru]

في مكة المكرمة، لا يكاد المتجول في شوارعها إلا ويستوقفه مشهد صار جزءا من تعريف المكان؛ أسراب كثيفة من الحمام، تحلق في الفضاء، ثم تستقر بين الناس مطمئنة، كأنها عنصر ثابت من عناصر الصورة المكية، لا يقل حضورا عن المآذن ولا عن الجوامع.

مشهد الحمام لم يولد بالأمس، بل عاش في وجدان أهل مكة وسكانها وزوارها أجيالا، وتناقلت الألسن تسميته بـ«حمام الحمى» و«حمام رب البيت»، ونسجت حوله روايات متعددة؛ فمنهم من نسب أصله إلى الحمام الذي عشعش على غار جبل ثور زمن الهجرة النبوية، ونقل عن الإمام السيوطي قول في ذلك، ومنهم من ربطه بطير الأبابيل، ودون المؤرخ المكي محمد طاهر الكردي مشاهداته ووثق وقوف الحمام على ميزاب الكعبة المشرفة، كما عرفت أوقاف في بلدان إسلامية متعددة خصص ريعها لإطعام حمام الحرم، في دلالة على عمق حضوره الرمزي في الوجدان الإسلامي.

الذاكرة الشعبية المتقدمة لا يمكن أن تهمل، فهي جزء من ثقافة المكان، وفي الوقت نفسه لا تقوم مقام النص في تقرير الحكم الثابت في السنة الشريفة، في أن صيد الحرمين وتنفير صيدهما محرمان، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا البلد حرمه الله؛ لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده»، وهو حكم متعلق بالصيد والتنفير داخل حدود الحرم، لا بإضفاء قدسية ذاتية على نوع من الطير؛ وقد قرر الفقهاء الجزاء في قتل حمام الحرم، وذكروا أن في الحمامة شاة أو مثلها صياما أو إطعاما، استنادا إلى قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم..}، وهو تقرير لحماية الصيد، لا توسيع لدلالة لم ترد.

ما أسلفته من نسبة الحمام إلى الغار أو إلى الأبابيل، ليس نصا منشئا لحكم تعبدي خاص، وإن بقي في إطار الروايات التاريخية المتداولة، ومؤسف جدا أن الصورة العامة للحمام اليوم لم تعد مجرد رمزية تاريخية أو مشهد جمالي؛ فالأعداد كبيرة، والتكاثر مطرد، والتجمعات في المنطقة المركزية والميادين الواسعة كثيفة، وبعض السكان يشكون من تعشيش الحمام على النوافذ والأسطح، ويضطرون إلى وسائل بدائية أو إلى الاستعانة بشركات متخصصة لمنع تكاثره، خشية الوقوع في محاذير شرعية إن هم آذوه، وفرق النظافة تضطر إلى غسل الأرصفة يوميا لإزالة مخلفات الحمام، وبائعو الحبوب العشوائي يضاعفون من تجمعات الحمام، رغم المحاولات التنظيمية لأمانة العاصمة المقدسة للتعامل معها، كإنشاء مواقع أو أبراج مخصصة لإيوائها في بعض الأماكن، إضافة إلى التنبيهات بعدم إلقاء بقايا الأطعمة في الطرقات من أجلها.

مسألة الحمام في مكة، ليست بين تعظيم وإنكار، ولا بين محب ومخاصم، بل بين عاطفة فردية وأثر عام، واستشعار بأن مكة المكرمة ليست مدينة عادية، بل مقصد عالمي، ومسؤوليتنا في حفظ الصحة والنظام والمشهد الحضاري مضاعفة، وخصوصا أنها مدينة مقدسة تعلمنا أن العبادة ليست اندفاعا بلا ميزان، بل فعل محسوب الأثر، وأن النية الصالحة معتبرة، لكن اكتمالها يكون بحسن التقدير؛ ومن القواعد المقررة أن درء المفاسد مقدم؛ فإذا ما تحول الإطعام من فعل محدود إلى ظاهرة تحدث أثرا سلبيا عاما، فإن مراجعة السلوك لا تكون انتقاصا من الرحمة، بل صيانة لها من أن تنقلب إلى ضرر، وأختم بأن حمام الحرم ليس أسطورة تقدس، وعلينا أن نعظم الحرم بالنص، ونحترم الذاكرة دون أن نحيلها إلى حكم، وأن نحسن إلى الحيوان دون إضرار بحياة الإنسان.

أخبار ذات صلة

0 تعليق