نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
المعمول يجمعنا - ترند نيوز, اليوم الخميس 4 يونيو 2026 02:33 صباحاً
[source+https://trading-secrets.guru]
كان المعمول «الكعك بالتمر» ولا يزال حاضرا في البيوت الحجازية بمكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة؛ حيث يعد طقسا عائليا في موسم عيد الأضحى المبارك كمناسبة اجتماعية متكاملة بين الأهل والأقارب والجيران.
اعتدن سيدات الحجاز قديما أن يجتمعن لتحضير المعمول في مشهد من الألفة والحميمية؛ الجدات والأمهات والأخوات وبنات العائلة والقريبات والجارات يتبادلن الخبرات بوضع المقادير، وتتنافس كل أسرة في سر الخلطة الخاصة بها.
كانت عملية الاستعداد تبدأ قبل أيام من موسم الحج. بعجن كميات كبيرة من الدقيق في أوعية واسعة، ثم يتم تشكيلها يدويا كقطع دائرية أو بيضاوية وتزيينها بما يسمى آنذاك «المنقاش» وهو قطعه حديدية كالمقص تستخدم لرسم النقوش على سطح قطع المعمول لإبراز الشكل الجمالي الذي يعتمد على احترافية كل سيدة وذوقها الخاص؛ وبعدها يتم وضع قطع المعمول متراصة على صواني كبيرة استعدادا لخبزها في المنزل أو إرسالها لفرن خارجي.
لا تزال ذاكرتي تحتفظ بصورة والدتي رحمها الله السيدة الفاضلة «مريم محمد حسين» عندما كانت ترسلني لمحل العطارة قبل الموسم لشراء «إبزار المعمول» المكون من «المحلب والشمر واليانسون والحبة السوداء والهيل والقرفة والزرومبة وخميرة الحج»، وهي خلطة من التوابل والبهارات العطرية المطحونة التي تضاف إلى عجينة المعمول لخلطها مع السمن البلدي.
كانت تعكف والدتي لساعات طويلة لإعداد المعمول بكل حب وود؛ أذكر أنني كنت أحمل بعض صواني المعمول للمخبز «فرن بدر» المجاور لبيتنا، ومن ثم أعيدها لتبدأ المرحلة النهائية وهي نثر السكر المطحون فوق المعمول الساخن، فتتصاعد رائحة متميزة لا تزال تسكن وجداني؛ كنت أشعر بتسربها للبيوت المجاورة فيعقبها اتصالات متلاحقة «شامين ريحة المعمول.. أرسلولنا شوية».
أعتقد أن عادة إعداد المعمول جاءت لمنطقة الحجاز عبر تواصل الشعوب والثقافات المجاورة من البلاد العربية مثل مصر والشام ودول المغرب العربي، والتي يسمونها «كعك العيد»، ومن ثم امتزج منتج المعمول بالذوق الحجازي بإضافة وصفات خاصة لتتحول من تقليعة دخيلة إلى عادة أصيلة تحمل هوية وروح المكان.
اليوم تغيرت ثقافة صنع المعمول وأصبح متوفرا في الأسواق بأسماء تجارية مختلفة، لكنه يفتقد لذلك الطعم المميز الذي اختفت معه جلسة العجن الجماعية، وغاب عنه منظر الصواني الكبيرة وتراجعت منه بصمة النكهة الأصيلة التي كانت تتفنن بها سيدات الحجاز.
ورغم كل ذلك، يبقى المعمول كذاكرة جمعية، وحكاية مجتمعية عاشت فرحة العيد. إنه تراث اجتماعي ومخيال ثقافي حمل في تفاصيله معاني التقارب والتكافل والمحبة التي جمعت الناس قديما حول مائدة واحدة وقلب واحد.
بموسم الحج كلما تذوقت قطعة معمول تحمل طعم الماضي، عاد لي صوت المكان؛ وصورة الزمان بمراحله؛ البيت والأم والأقارب والحي، وتتردد الذاكرة الأصيلة «المعمول يجمعنا».
Yos123Omar@
















0 تعليق