الحوكمة: من؟ وكيف يصنع القرار؟ - ترند نيوز

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الحوكمة: من؟ وكيف يصنع القرار؟ - ترند نيوز, اليوم الاثنين 11 مايو 2026 02:31 صباحاً

[source+https://trading-secrets.guru]

يقصد بالحوكمة تحديد من يتخذ القرار وكيف يتخذ، ففي النموذج البيروقراطي التقليدي تقوم الحوكمة على سلطة المنصب والالتزام الحرفي بالأنظمة واللوائح، ليكون تطبيق الإجراءات غاية بحد ذاته، وتمارس السلطة هرميا من الأعلى إلى الأسفل، دون اهتمام كاف بأثر القرار أو نتائجه. وفي المقابل، قد تبنى عملية اتخاذ القرار على نهج تشاركي يضم مختلف الأطراف المؤثرة والمتأثرة، بما يتيح مناقشة القرار ومراجعته واختبار نتائجه المتوقعة قبل اعتماده. ويمثل هذا النهج التشاركي جوهر الحوكمة الرشيدة، إذ ينقل التركيز من مجرد تطبيق الإجراءات إلى تقييم كيفية ممارسة السلطة ومدى تحقيقها للصالح العام بكفاءة ونزاهة، وشفافية، ومسؤولية، ومشاركة. ومن ثم، تتسع دائرة صنع القرار لتشمل إلى جانب الجهاز الحكومي المختص بالقرار، الجهات الأخرى ذات العلاقة، من قطاعات حكومية، ومنظمات القطاع الخاص، ومؤسسات المجتمع المدني، وعموم المواطنين. كما تتداخل الإدارات والأقسام المعنية في عملية صنع القرار داخل الجهاز الحكومي نفسه، بحيث يصبح تحديد الجهة المخولة باتخاذ القرار، وآليات معالجة الخلافات وحسم النزاعات المؤسسية، جزءا أساسا من منظومة الحوكمة. فالمنظمات بطبيعتها التكوينية شبكات من العلاقات الاجتماعية التي تربط بين الأفراد وفرق العمل، سواء كانت علاقات رسمية تحددها الهياكل التنظيمية، أو غير رسمية تنشأ من التفاعلات اليومية داخل بيئة العمل. ما يستدعي توجيه الجماعات غير الرسمية واستثمارها بصورة فاعلة في تحسين أداء المنظمة، من خلال إطار للحوكمة يتيح مناقشة ما لا يناقش وجعل ما لا يناقش قابلا للنقاش!

ويرتبط تحديد من يملك صناعة القرار داخل المنظمات العامة بدرجة المركزية واللامركزية، إذ لكل مستوى إداري أدوار تخصه، ولذا ليس من الرشد الإداري أن تستحوذ الإدارة العليا على صناعة جميع القرارات وهي لا تملك التخصص الفني أو الوقت الكافي للتعامل المباشر مع المستفيدين، ومن هنا تبرز أهمية «الحوكمة الرشيدة» ونهجها التشاركي في صناعة القرار، ليس بغرض تسويقه أو تمريره وإقناع الآخرين بقبوله، بل للحاجة الفعلية لآراء ودعم المشاركين، والقناعة بأن لديهم ما يضيفونه للقرار بأبعاده المختلفة ومناظير تعكس اهتماماتهم وخبراتهم وتجاربهم المتميزة. بالإضافة إلى تحفيزهم على التعاون والتكاتف وتحمل المسؤولية والمساهمة الفاعلة في إنجاح القرار لاستشعارهم بأنهم جزء أصيل منه.

إن تحديد من يشارك في صناعة القرار، وكيف تتم هذه المشاركة، يمثل ضمانة أساسية لتجويد حوكمة العمل الإداري، بدلا من تركه للاجتهادات الفردية أو لإدارة تقوم على ردود الأفعال ونهج الطوارئ أو التفرد في اتخاذ القرار. فضعف كفاءة توزيع الصلاحيات، وعدم وضوح حدود السلطة والمسؤولية، يجعلان عملية اتخاذ القرار محفوفة بالمخاطر، ويدفعان الأفراد إلى تجنب الحسم أو تأجيله ليكون في مأمن من المساءلة. ونتيجة لذلك، يتحول التصعيد الإداري من كونه استثناء تنظيميا إلى مسار اعتيادي لتسيير العمل.

ومع مرور الوقت، تتشكل ثقافة عمل يعاد فيها تعريف السلطة داخل المنظمة بصورة غير رسمية، استنادا إلى التكرار والصدفة، لا إلى أطر تنظيمية واضحة، الأمر الذي يفضي إلى ترسيخ ثقافة اللامسوؤلية، وتعزيز النزعة إلى البقاء في «منطقة الراحة». وفي مثل هذا السياق، تكون عملية صنع القرار أقرب للعشوائية، حيث تكون القرارات نتاج تقاطع عرضي بين المشكلات والحلول والمشاركين وفرص الاختيار دون وجود مسار مؤسسي منظم يضبط العلاقة بينها. ويترتب على ذلك أحد أبرز مظاهر ضعف الحوكمة، وهو عدم استقرار القرار. فالقرار المؤسسي يقاس بقدرته على الثبات والاستمرار، بما يمنح العاملين مساحة واضحة، ينطلقون منها نحو الابتكار والإبداع والمبادرة. وعندما تفتقر الحوكمة إلى الوضوح، تصبح القرارات عرضة للتراجع وإعادة الطرح بصورة مستمرة، مما يخلق حالة من الإرباك الإداري يقود إلى الحذر المفرط في التنفيذ، وبناء خطط هشة تفتقر إلى الالتزام واليقين. ولا يتوقف أثر غياب الحوكمة عند هذا الحد، بل يمتد ليشكل ثقافة تنظيمية مبنية على عدم الثقة، ينتج عنها الاستغراق في الإجراءات المطولة ووهم الإنجاز الورقي وتجنب المبادرة والابتكار والميل إلى المكوث في منطقة اللامسوؤلية، وهي جميعها تكاليف تنظيمية خفية، ولكن عميقة الأثر، سلبية، تعيق تحقيق كفاءة الأداء المؤسسي. ولتجاوز هذا التعقيد والبطء في الأداء، تلجأ بعض المنظمات إلى تبني «الاستعجال» في إصدار القرارات والقفز على التدرجية والتخصصية في اتخاذ قرارات مركزية كبديل عن الحوكمة، متوهمة أن السرعة هي الفاعلية، لكن يظل هذا النهج هشا وقابلا للتعثر عند أول تعارض تنظيمي أو تضارب في المسؤوليات والاختصاصات.

إن من أبرز الإشكالات التنظيمية، الخلط بين «اتخاذ القرار» و»اعتماد القرار»، حيث تستنزف أوقات القيادات الإدارية بالموافقات الورقية والإجراءات الشكلية التي لا تتطلب تفكيرا إبداعيا، أو في مراجعة موضوعات روتينية محسومة نظاما، والانشغال بمعالجة مشكلات فنية لا تستدعي اجتماعات مطولة أو مداولات متكررة. والأدهى أن يكون ذلك على حساب الاهتمام بصنع القرارات الاستراتيجية والتفكير في القضايا الجوهرية والأولويات ذات الأثر طويل المدى. ولذا، كان من أساسيات الحوكمة وضوح مصفوفة الصلاحية ودقة توزيع الأدوار وبناء ثقافة تنظيمية تشجع على التعلم المؤسسي وتعزز التواصل والإبداع والمبادرة والتفكير الاستباقي، إلى جانب المرونة والتكيف مع التغيرات البيئية. إن فلسفة المنظمة ونهجها الإداري هما اللذان يحددان من يصنع القرار وكيف يصنع. فعندما تقوم الفلسفة التنظيمية على ضعف الثقة، فإنها تقود إلى مركزية مفرطة وإجراءات روتينية طويلة يكون هدفها الرقابة والتحكم وضبط التصرفات، دون ربط ذلك بالنتائج والأثر المتحقق. وفي المقابل، يتحقق الإبداع والأداء المتميز والكفاءة عندما تنطلق فلسفة المنظمة من قيم الانفتاح والشفافية والتشاركية والمسؤولية والمهنية، في ظل وضوح توزيع السلطة، ووجود بيئة تنظيمية مستقرة تدعم فاعلية القرار واستدامته. ما ينبغي التأكيد عليه هنا هو أن الحوكمة ليست عبئا تنظيميا إضافيا، بل هي شرط أساس لفعالية العمل المؤسسي، فهي التي تجعل القرار ممكنا ومستقرا وقابلا للاستمرار. وعندما تتضح معالم الحوكمة وتتحدد المسؤوليات والصلاحيات تزول كثير من مظاهر الارتباك الإداري التي تنسب خطأ للأفراد، بينما تعود في حقيقتها إلى بنية تنظيمية تحتاج إلى شجاعة في المراجعة وإعادة البناء.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق