وسط عالم يضج بالأزمات والضجيج، يأتي فيلم «حياة امرأة» للمخرجة الفرنسية شارلين بورجوا تاكيه ليقترب بهدوء من حياة امرأة اعتادت أن تعتني بالجميع، وأن تجد إجابات لمشكلات الآخرين، فيما ظلت عاجزة عن الإصغاء إلى ما تريده هي.
غابرييل جرّاحة ورئيسة قسم في مستشفى حكومي وتقضي يومها بين العمليات والمرضى ومشكلات العمل، ثم تعود إلى شريك يحبها وأم تحتاج إلى رعايتها، تبدو حياتها ممتلئة، لكنها لا تترك لنفسها وقتا لتصغي فيه إلى دواخلها. تدخل في حياتها فريدا، وهي روائية جاءت لتراقب عمل القسم من أجل كتاب تكتبه، فتبدأ العلاقة بين المرأتين من النظر والحديث، ثم تتحول إلى انجذاب يربك النظام الذي عاشت فيه غابرييل سنوات طويلة.
لا تبدو فريدا حدثا طارئا ودخيلا من أجل تغيّر مسار الحكاية. فمن خلال اقترابها، نرى غابرييل خارج دور الجرّاحة التي يُنتظر منها أن تتماسك وتعتني بالآخرين. تظهر امرأة تتردد، وترغب، وتخشى ما قد تخسره، وتكتشف أن الحياة التي اختارتها لم تكن متسعة لها كامرأة وهكذا تفتح العلاقة بين المرأتين مدخلا لفهم الشخصية وتجعلنا نسأل: كيف سوف تستقبل غابرييل حبا لم تتوقعه، وماذا سيكشف هذا الحب وهل يمكنه توضيح المسافة التي نشأت بين البطلة ونفسها؟
اختلفت قراءات النقاد لفيلم «حياة امرأة» وتوقف بعضهم عند النقطة التي اختارتها شارلين بورجوا تاكيه لبناء الحكاية، خاصة تقسيم حياة غابرييل إلى أحد عشر فصلا. وكتب فابيان لوميرسييه، في موقع «سينيوْروبا»، أن هذا البناء أدى إلى ضغط الزمن وأتاح للمخرجة الاقتراب من امرأة تتوزع بين عملها في الجراحة، ورعاية أمها، وحياتها مع شريكها، ثم انجذابها إلى فريدا. كما تحدث الناقد أيضا عن جماليات التصوير والعناية بالوجوه والأجساد والإيماءات، كأن ما عجزت غابرييل عن قوله في الحوار ظهر في طريقة وقوفها أو نظرها إلى الذين حولها.
أما أوليفييه بومباردا، في مجلة «باند آ بار»، فوصف الفصول بأنها كانت تنسجم مع شخصية لا تنكشف دفعة واحدة، وهكذا فإننا نعرفها عبر مواقف متفرقة وعودات متكررة. وكل ذلك منح أهمية خاصة لأداء ليا دروكر؛ فهي، في رأيه، تحمل سلطة رئيسة القسم وتعب المرأة التي يُطلب منها أن تكون متاحة للجميع، وتسمح للانفعال بالظهور من غير مبالغة ومع ذلك، يعترف بومباردا بأن كثرة الفصول والموضوعات قد جعلت بناء الفيلم ظاهرا أكثر مما ينبغي.
من الجهة الأخرى، يرى مارك فان دي كلاشورست، في موقع «آي سي إس»، أن تقسيم الفيلم منحه إيقاعا سريعا، لكنه كان يوقف أحيانا تدفق الحكاية، خصوصا مع القفزات الزمنية. وعندما ننتقل من فصل إلى آخر، قد نكون بحاجة إلى البقاء قليلا مع أثر ما حدث بين غابرييل وفريدا قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة. وذهب ستيفان غوبو، في صحيفة «لو تان»، إلى موقف أشد تحفظا؛ حيث يرى أن الفصول الأحد عشر مرت على موضوعات كثيرة فظهر الفيلم، في نظره، أقرب إلى قائمة عن جوانب حياة امرأة أكثر من كونه تجربة عاطفية نعيشها معها. واقترب جاك ماندلبوم، في «لوموند»، من هذا الاعتراض ونفهم منه أن صورة غابرييل كانت مصممة بعناية زائدة، وربما مهيمنة ولم تُمنح بقية الشخصيات الأخرى حضورا مستقلا يكفي لفهم رغباتها.
تساعدنا هذه الآراء على رؤية ما نجح فيه البناء وما فات الانتباه إليه. فالتقطيع يجعلنا نحس بتزاحم الواجبات في حياة غابرييل، ويصور لنا بأنها تنتقل طوال الوقت من شخص يحتاج إليها إلى آخر. لكنه يضع علاقة المرأتين أمام اختبار صعب يجعلنا نسأل: هل هذا الانجذاب سوف يتكوّن ويتغير، أم أنه سوف يقطع محطاته ويختصرالمسافة بينهما؟
هنا تستحق مشاهد غابرييل وفريدا قراءة قريبة، فما يهمنا ليس أن الفيلم أضاف علاقة مثلية إلى صورة امرأة مشغولة، ولكن الأهم من ذلك كيف أتاحت هذه العلاقة لغابرييل أن تتوقف، ولو للحظة، وتسأل عمّا تريده من حياتها وما الذي كان ينقصها. هناك شيء لم تمنحه القراءات النقدية حقّه وهو، علاقة فريدا وغابرييل نفسها. فالفيلم بسيط في بنائه، ولم يكن يثقل مشاهده بإشارات ودلالات ورموز تريد أن تقول أكثر مما تحتمل. لكنه، عندما جمع المرأتين، فقد ترك أحيانا للصورة أن تتكلم، نشاهد لقطات قرب جسدين، نظرات تطول، وضوء يمنح اللحظة جمالا تشكيليا، من غير أن يعزلها عن الصدق الإنساني، لم تأت فريدا لتكشف سرا خفيا في غابرييل، الأجمل من ذلك أنها اتاحت لها وقتا ترى فيه نفسها بعيدا عن ضجيج المستشفى ومسؤوليات العائلة. ونحن أيضا نراها عندئذ بوضوح أكبر، فهي امرأة اعتادت أن تعتني بالآخرين، ثم فوجئت بأن لها رغبة تستحق أن تصغي إليها. وفي هدوء هذه العلاقة تكمن أجمل لحظات فيلم «حياة امرأة»؛ فهنا يصبح انجذاب امرأتين طريقا إلى معرفة الذات، وحبا لا يحتاج إلى تبرير كي يجد مكانه على الشاشة وكانت لحظات الحب تعاش بسعادة وراحة ولم تؤد لتغيير شامل في حياة البطلة.
أبدعت شارلين بورجوا تاكيه في كيفية ترك مساحة لشخصياتها، بحيث تتنفس فيها وتقترب من غابرييل وفريدا من غير أن تشرح كل نظرة أو تدفع المشهد إلى ذروة مصطنعة ولم ترفع أي شعار مع أو ضد المثلية. كما نلمس جمال الممثلة ليا دروكر فقد منحت غابرييل قوة رافقها تعب خفي، وكذلك ميلاني تييري في دور فريدا نشعر أنها منحت الشخصية دفئا وجرأة رقيقة. ونشأت بين حضورهما ألفة ناعمة يمكننا أن نلمسها في الإنصات والتردد ثم الاقتراب الشجاع بين المرأتين، وهذا كان أبلغ من الكلمات. وهكذا اكتسبت العلاقة روحا عذبة، ونجح في إبراز الأثر العاطفي ويعود الفضل أيضا إلى الأداء الذي لم يكن فيه مبالغات أو تكلف مصطنع.
- الكويت تستعرض جهودها في المجال السياحي
- سفير أوكرانيا: الكويت تؤدي دوراً إنسانياً راسخاً في دعم الشعوب المتضررة من الأزمات والكوارث
- «الإحصائي الخليجي»: مستقبل السياحة الخليجية يعتمد على الاستفادة من التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي
- رئيس الأركان بحث التعاون العسكري مع رئيس هيئة التخطيط في القوات البحرية السعودية
- رئيس الأركان بحث مع مسؤول فنلندي التعاون العسكري والموضوعات ذات الاهتمام المشترك


















0 تعليق