اللهو الخفي أم الرسم الخفي!

منذ 50 دقيقة

بعد توجيه الرئيس لإعادة النظر في بعض الرسوم الادارية للخدمات المرورية، علينا أن نتوقف لمراجعة المشهد،
فلا خلاف على أن الدولة الإيرادية تعوّل على الضرائب والجمارك والرسوم المختلفة في تمويل إنفاقها، غير أن الخلط بين الضريبة والرسم يحوّل أداة مشروعة إلى عبء خفيٌّ.. 

فالضريبة هي اقتطاع عام بلا مقابل مباشرًا، أما الرسم فيسدد مقابل خدمة محددةً، يُفترض أن يُسعَّر على تكلفتها مضافًا إليها هامش إداري لا يتجاوز 5٪، وحين تُبالَغ الرسوم والمصروفات الإدارية، لا يتضرر جيب المواطن وحده، بل يتباطأ الاقتصاد الكمّي وتُختنَق القوة الشرائية، في زمن تتسرب إليه فجوات تضخمية متحركة من الخارج.
 

في ذروة عام 2023 تجاوز تضخم أسعار المستهلكين في مصر 30٪، وما زالت الدخول الحقيقية تحت ضغط. والحد الأدنى لأجر القطاع الخاص 7 آلاف جنيه شهريًا منذ مارس 2025، وأصبح 8 آلاف منذ يوليو 2026، وكل رسم منفردًا يبدو هيّنًا، لكن مجموع التجديدات والتراخيص والشهادات والتوثيق والمقابل الإداري للمرافق يقتطع شريحةً سنويةً محسوسةً من الدخل المتاح، فيُضعف الطلب في لحظة يحتاج فيها الاقتصاد إلى استهلاك واستثمار لا إلى انكماش إضافي.


ورسوم الخدمات الظاهرة في موازنة 2025/2024 قاربت 155 مليار جنيه، وفق جداول وزارة المالية، وهي الطبقة المركزية فقط، قبل الصناديق والهيئات والرسوم المحلية.


وتكشف المقارنة الدولية حجم الفجوة على مستويين: 
أولًا، تكلفة الإجراءات الإدارية لبدء النشاط كنسبة من نصيب الفرد من الدخل، وفق البنك الدولي (عام 2019، آخر سلسلة موحّدةً): 20,3٪ في مصر، مقابل 7,2٪ في الهند، و6٪ في تركيا، و5,7٪ في إندونيسيا، و3,6٪ في المغرب، و0,4٪ في سنغافورة، أي أن رائد الأعمال المصري يدفع، نسبةً إلى دخله، نحو خمسة أضعاف نظيره المغربي وأكثر من خمسين ضعف نظيره السنغافوري لمجرد عبور بوابة التأسيس.. 

وفي تقرير ممارسة أنشطة الأعمال عام 2020 حلّت سنغافورة ثانيةً عالميًا، وتركيا في المرتبة 33، والمغرب 53، والهند 63، وإندونيسيا 73، ومصر في المرتبة 114.


ثانيًا، وهو الأثقل على المواطن العادي، عبء سلة سنوية نمطيةً من الرسوم والمصروفات الإدارية المتكررة (تجديد المستندات، ورخص المركبات، والشهادات، والتوثيق المحدود، والمقابل الإداري للمرافق) منسوبًا إلى الأجر السنوي، كتقدير استرشاديًا لا يشمل الضرائب ولا الجمارك: أقل من 0,5٪ في سنغافورة، ونحو 2٪ في المغرب، و2,5–3٪ في إندونيسيا، و3–3,5٪ في تركيا، و3,5–4,5٪ في الهند، مقابل 7–9٪ من أجر الحد الأدنى في مصر..

وقد تتجاوز 10٪ إذا أُضيفت كلفة التيسير غير الرسمية، فالفرق ليس في حجم الاقتصاد، بل في فلسفة التسعير: من خفّض الرسم ورقمنة الإجراء اجتذب استثمارًا، ومن أبقاه مرتفعًا ومتشعبًا خسر وقت المستثمر وثقة المواطن معًا.


ويشوب الفرض، في دول عدة ومنها مصر، عوار بنيوي وغياب تسعير منبثق من تكلفة معياريةً بهامش لا يتجاوز 5٪، فما زاد على استرداد التكلفة يتحول، في العرف المالي الدولي، إلى ضريبة مقنّعةً تستلزم إقرارًا تشريعيًا لا قرارًا وزاريًا، وخلوّ كثير من الجداول من مراجعة دوريةً، ونظرة متفردةً تجعل كل مصلحة تسعّر خدمتها بمعزل عن الأخرى، فتغيب البصمة التراكمية على دخل الأسرة. 


هذا إضافة إلى ضعف رقابة الغرف التشريعية، حيث يُعدَّل السعر بقرار إداري أسرع من أن يبلغه نقاش برلماني أو دراسة أثر.

ومن هنا تتحدد المعالجة القياسية، على أعمدة منظمة التعاون الاقتصادي ومكاتب المراجعة العليا: العدالة، والكفاءة، وقابلية التبرير، والشفافية، وتُترجم إلى حصر تكلفة الخدمة بوحدات عمل معلنةً، وقصر الرسم على استرداد التكلفة زائد 5٪ حدًا أقصى، ونشر المعادلة، ومراجعة إلزامية كل سنتين أو عند تجاوز التضخم حدًا معلنًا، ودراسة أثر تراكمي على الدخل قبل أي زيادة، وإقرار الرسوم ذات الطبيعة الضريبية بالتشريع لا باللائحة، مع نافذة موحّدةً وإلغاء المقابل المزدوج على الخدمة الرقمية.


ففي أزمنة الصراعات والاختناقات الجيوسياسية، يصبح خفض هذا البند متنفّسًا لا ترفًا، فالدولة لا تملك سعر النفط ولا كلفة الشحن، لكنها تملك جدول رسومها، وتجميد الرسوم الإدارية عامين، مع شطب المكرر منها، يعيد للمواطن شريحةً من دخله ويخفض كلفة الالتزام على المستثمر، من دون أن يمسّ قاعدة الضريبة العادلة، فالإيراد السهل الذي يُثقل الجيب يُنقص، في النهاية، الإيراد الصعب: إنتاجًا، وتوظيفًا، واستثمارًا.

فالرسوم حين تتجاوز تكلفتها تتحول لضريبة مقنعة تخنق الدخل والاستثمار معًا. خفضها ورقمنتها ليس رفاهية بل أسرع أداة تملكها الدولة لتنشيط الاقتصاد، ومن يصلح جدول رسومه اليوم، يوسع قاعدته الضريبية غدا.. نداء أعيدوا النظر وأوقفوا المبالغة في الرسوم تساهمون في إنقاذ حياة الاقتصاد الذي يعاني.

✎

فريق تحرير العرب الاخبارية

فريق التحرير في العرب الاخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق