المقايضة الكبرى.. علاج للدين أم بيع للمستقبل؟

بوابة فيتو 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
المقايضة الكبرى.. علاج للدين أم بيع للمستقبل؟, اليوم الثلاثاء 1 سبتمبر 2026 02:16 مساءً

عاد إلى الواجهة مقترح المقايضة الكبرى الذي طرحه رجل الأعمال حسن هيكل، بعد تسوية مديونية ماسبيرو، ومفاده في جوهره استخدام بعض أصول الدولة في تسوية جانب من الدين المحلي، وصولًا إلى الحديث عن أصول استراتيجية مثل قناة السويس. 


الفكرة تستحق أن تُناقش بهدوء، بعيدًا عن التخوين أو التخويف، لأنها تلمس جرحًا حقيقيًا في الاقتصاد المصري: دين مرتفع، خدمة دين ثقيلة، واحتياجات تمويلية تضغط على الموازنة وتزاحم الإنفاق على المواطن والاستثمار. ويقر صندوق النقد نفسه بأن خفض الدين واحتياجات التمويل يمثلان محورًا أساسيًا في البرنامج المصري.  

لكن السؤال: هل يكون علاج الدين ببيع أصول الدولة أو مقايضتها، أم بإعادة بناء الاقتصاد الذي ينتج الموارد اللازمة لسداد الدين؟


هنا يجب أن نفرق بين أصل غير مستغل يمكن أن يتحول إلى مشروع منتج، وبين أصل استراتيجي يمثل ثروة وطنية متوارثة. فتسوية مديونية ماسبيرو، مهما كانت جدواها، لا تصلح بالضرورة نموذجًا لتسوية مديونية دولة؛ فالأصل غير المستغل شيء، وقناة السويس شيء آخر تمامًا.


والأخطر أن تصفير الدين حسابيًا لا يعني بالضرورة تصفيره اقتصاديًا. فإذا انتقلت المديونية من جهة حكومية إلى أخرى، أو جرى استبدالها بأصل مملوك للدولة، فقد يتغير شكل الالتزام بينما لا تتغير المشكلة الأساسية: العجز، وتكلفة الاقتراض، وضعف تدفقات العملة الأجنبية، والحاجة المستمرة إلى التمويل. وهنا ربما تكون تجارب دول أخرى أكثر فائدة لمصر من فكرة المقايضة نفسها.


كوريا الجنوبية خرجت من أزمة مالية عاصفة في نهاية التسعينيات، لكنها لم تعتمد على بيع ثروتها للخروج من الأزمة. أعادت هيكلة القطاع المصرفي والشركات، عززت الاحتياطيات، ورفعت تنافسية الاقتصاد والصادرات، ثم سددت قروض صندوق النقد مبكرًا عام 2001، بعد نحو ثلاث سنوات وثمانية أشهر من الأزمة. 


أما أيسلندا تقدم درسًا آخر: واجهت انهيارًا ماليًا هائلًا، لكنها أعادت هيكلة بنوكها، وفرضت إجراءات استثنائية لحماية الاستقرار المالي، ونفذت ضبطًا ماليًا تدريجيًا مع حماية شبكة الأمان الاجتماعي. وبعد سنوات انخفض الدين العام من ذروة بلغت نحو 92% من الناتج إلى 35% في 2018، وسددت كامل التزاماتها لصندوق النقد مبكرًا عام 2015. 


أما البرتغال، التي كانت تحت برنامج إنقاذ أوروبي ودعم من صندوق النقد، فخرجت من البرنامج عام 2014 دون طلب برنامج جديد، ثم بدأت السداد المبكر لقروض الصندوق، وأغلقت رصيدها لدى الصندوق بالكامل في 2018، مستفيدة من تحسن النمو والأسواق وانخفاض تكلفة الاقتراض. 


هذه التجارب لا تقول إن صندوق النقد هو سجن اقتصادي، ولا إن الخروج منه يتم بضغطة زر. لكنها تقول شيئًا أكثر أهمية: الدول لا تتحرر من برامج الإنقاذ ببيع مستقبلها، وإنما بإصلاح اقتصادها حتى تستغني عن الحاجة إلى الإنقاذ.

ومصر تستطيع أن تبدأ من هنا. بدلًا من بيع الأرض، فلنرفع قيمتها بالتطوير. وبدلًا من بيع الشركة، فلنصلحها ونطرح حصة منها إذا كانت قابلة للنمو. وبدلًا من الاقتراب من قناة السويس كأصل للمقايضة، فلنجعل اقتصاد القناة كله ــ الموانئ واللوجستيات والصناعة والخدمات والطاقة ــ ماكينة أكبر لتوليد العملة الصعبة.


وإذا كان لابد من التخارج من بعض الأصول، فيجب أن تكون هناك قاعدة لا تُخرق: لا يُستخدم أصل دائم لسداد إنفاق جارٍ مؤقت. حصيلة التخارج ينبغي أن تذهب إلى خفض أصل الدين مرتفع التكلفة أو إلى إنشاء أصول إنتاجية جديدة، مع تقييم مستقل وشفافية ومنافسة حقيقية.


والأهم أن ننتقل من فلسفة إدارة الدين إلى فلسفة إدارة ثروة الدولة. فالدولة ليست ميزانية فقط. لديها أراضٍ، وشركات، وموانئ، وموارد، وممرات تجارية، وعقول بشرية. والخسارة الحقيقية ليست فقط في زيادة الدين؛ وإنما في أن نضطر يومًا إلى بيع أصول تدر دخلًا دائمًا كي نسدد دينًا استهلكناه بالأمس. علينا أن نسأل أنفسنا ببساطة: هل نريد أن نخفض الدين، أم نخفض صافي ثروة مصر؟


وهناك سؤال آخر، ربما أكثر أهمية من كل الحسابات: هل الحكومة تحس نبض الشارع الاقتصادي فعلًا، أم أن بعض المقربين منها ينقلون إليها ما يريدون أن تسمعه؟


إذا كانت المقايضة الكبرى مجرد فكرة اقتصادية مطروحة للنقاش، فمرحبًا بكل الأفكار. أما إذا كانت اختبارًا لرد فعل المجتمع على الاقتراب من أصول استراتيجية، فالأفضل أن يكون الاختبار معلنًا وصريحًا، لأن ثروات الدولة ليست ملك حكومة بعينها، وإنما أمانة في عنق جيل الحاضر وحق للأجيال القادمة.

وفي النهاية، لا تحتاج مصر إلى معجزة لتتحرر من ثقل الدين، بل إلى اقتصاد ينتج أكثر مما يقترض، ويصدر أكثر مما يستورد، ويستثمر أكثر مما يستهلك، ويحافظ على أصوله بدل أن يجعلها فدية لعجزه. فالدين يمكن إعادة جدولته.. أما الأصل الذي بعناه فلا يمكن إعادة امتلاكه بسهولة. والفارق بين إدارة الأزمة وإدارة المستقبل أن الأولى تسأل: كيف نخرج من مأزق اليوم؟ أما الثانية فتسأل: ماذا سيبقى لمصر غدًا؟!

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق