نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
بعد 15 عامًا من آخر مراجعة شاملة.. جامعة القاهرة تعيد رسم خريطة الثروة النباتية.. تفاصيل تحديث الهوية العلمية لفلورا مصر.. النباتات البرية بنك جينات وأحد ركائز الأمن الغذائي, اليوم الثلاثاء 4 أغسطس 2026 12:06 مساءً
في وقت تتسارع فيه تأثيرات التغيرات المناخية، وتتوسع الرقعة العمرانية بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد توثيق الموارد الطبيعية رفاهية علمية، بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها تحديات الحاضر ومتطلبات المستقبل.

ومن هذا المنطلق، نجحت جامعة القاهرة، ممثلة في كلية العلوم، في إنجاز واحد من أهم المشروعات البحثية في مجال علوم النبات خلال السنوات الأخيرة، بإصدار أول تحديث شامل وموثق للفلورا المصرية منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، ليضع بين أيدي الباحثين وصناع القرار مرجعًا علميًا حديثًا يعيد رسم خريطة التنوع النباتي في مصر وفق أحدث المعايير العالمية.
الإنجاز، الذي جاء ضمن مبادرة "إضاءات بحثية" بجامعة القاهرة، تُوج بنشر الدراسة العلمية "An Annotated Checklist for the Egyptian Vascular Flora" في مجلة Plant Biosystems الدولية الصادرة عن Springer Nature، والمصنفة ضمن الفئة الثانية (Q2)، وهو ما يعكس القيمة العلمية للدراسة وأهميتها على المستويين الإقليمي والدولي.

وأعدت الدراسة الدكتورة ريم سمير حمدي، أستاذ التصنيف والفلورا بقسم النبات والميكروبيولوجي بكلية العلوم جامعة القاهرة، والدكتورة رانيا علي حسن، الأستاذ المساعد بالقسم نفسه، بعد مراجعة علمية دقيقة امتدت لآلاف السجلات النباتية والعينات العشبية والمراجع العلمية وقواعد البيانات الدولية، لتصبح أول مراجعة وطنية شاملة للفلورا المصرية منذ صدور آخر قائمة مرجعية عام 2009.

ولم يكن الهدف مجرد تحديث قائمة بالأسماء النباتية، بل بناء قاعدة بيانات وطنية دقيقة تعكس الواقع الحالي للتنوع النباتي في مصر، وتواكب التطورات المتسارعة في علم التصنيف النباتي، وتوفر أساسًا علميًا تعتمد عليه الدراسات المستقبلية وخطط الحفاظ على التنوع الحيوي والتنمية المستدامة.

أول تحديث شامل منذ 15 عاما
أسفرت الدراسة عن توثيق 2491 تصنيفًا نباتيًا من النباتات الوعائية المصرية، تضم 800 جنس نباتي تنتمي إلى 119 فصيلة نباتية، مع إضافة فصيلة نباتية جديدة إلى فلورا مصر، وتسجيل 27 جنسًا و182 نوعًا نباتيًا لأول مرة ضمن القوائم المرجعية، فضلًا عن تحديث وتصحيح مئات الأسماء العلمية والتصنيفات النباتية وفق أحدث النظم العالمية.

كما انتهت الدراسة إلى استبعاد 62 نوعًا نباتيًا بعد مراجعة دقيقة أثبتت عدم انتمائها إلى الفلورا المصرية، إلى جانب توثيق 74 نوعًا متوطنًا لا ينمو إلا داخل الحدود المصرية، وحصر 210 أنواع شبه متوطنة تشترك مصر في وجودها مع عدد من الدول المجاورة.

وكشفت النتائج أيضًا أن شبه جزيرة سيناء تمثل المنطقة الأغنى بالتنوع النباتي في مصر، بما تمتلكه من بيئات طبيعية فريدة وتضاريس متنوعة تجعلها واحدة من أهم مناطق التنوع الحيوي في البلاد.
د. رانيا علي حسن: جمعنا حصاد 15 عامًا من الدراسات في مرجع واحد
وتوضح الدكتورة رانيا علي حسن، في تصريحات خاصة لـ فيتو، أن الدافع الرئيسي وراء هذا العمل العلمي يعود إلى الطبيعة المتغيرة لعلم النبات، الذي يشهد بصورة مستمرة تحديثات في التصنيف والأسماء العلمية.
وتقول إن علم النبات من العلوم المتجددة، وخلال السنوات الخمس عشرة الماضية حدثت تغيرات كبيرة، سواء في تغيير الأسماء العلمية أو نقل مجموعات نباتية من عائلاتها إلى أخرى، نتيجة ظهور أدلة علمية جديدة، خاصة الدراسات الجزيئية وتحاليل الحمض النووي (DNA)، التي أعادت رسم العلاقات التطورية بين كثير من النباتات.
وتضيف أن هذه الفترة شهدت أيضًا نشر عدد كبير من الدراسات المصرية التي تناولت مجموعات نباتية مختلفة، وكان كل بحث يضيف جنسًا جديدًا أو يراجع مجموعة تصنيفية بعينها، ولذلك برزت الحاجة إلى جمع هذه النتائج المتفرقة في مرجع علمي وطني واحد.
وتقول: "قررنا أن نجمع كل نتائج هذه الدراسات ونضعها في هذا المرجع العلمي الحديث والشامل للفلورا المصرية، حتى نمتلك نسخة حديثة يمكن من خلالها التعرف على الوضع الحالي للتنوع النباتي المصري."
في المقابل، تشير الدكتورة ريم سمير حمدي إلى أن آخر تحديث كامل للنباتات المصرية صدر عام 2009، ومنذ ذلك الوقت تغير الكثير، سواء باكتشاف نباتات جديدة أو بتعديل الأسماء العلمية على المستوى العالمي، مؤكدة أن توقيت إصدار المرجع الجديد كان بالغ الأهمية في ظل التوسع العمراني السريع والتغيرات المناخية، فضلًا عن الحاجة الملحة التي عبر عنها الباحثون في المجالات التطبيقية للحصول على قائمة حديثة بالأسماء العلمية المعتمدة.
وترى أن وجود مرجع محدث لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة علمية ووطنية، لأنه يمثل الأساس الذي تُبنى عليه جميع الدراسات البيئية والتطبيقية المتعلقة بالنباتات المصرية.
2491 تصنيفًا نباتيًا.. رقم يرسم خريطة التنوع النباتي في مصر
لا تنظر الباحثتان إلى الرقم الذي انتهت إليه الدراسة باعتباره مجرد إحصاء عددي، وإنما باعتباره حجر الأساس الذي ستبنى عليه الأبحاث المستقبلية.
وتؤكد الدكتورة رانيا أن توثيق 2491 تصنيفًا نباتيًا يمثل حصرًا للتنوع النباتي للنباتات الوعائية في مصر، ويعد نقطة انطلاق لوضع خطط حماية الأنواع النادرة والمهددة بالانقراض، كما يمنح الباحثين صورة دقيقة عن حجم التنوع النباتي الذي تتمتع به البلاد.
أما الدكتورة ريم فتوضح، في تصريحاته لـ فيتو، أن هذا الرقم يمثل مرجعًا وطنيًا شاملًا، يضم 2236 نوعًا أصيلًا من البيئة المصرية، إضافة إلى 255 نوعًا دخيلًا دخل البلاد واستقر فيها، مؤكدة أن هذا التوثيق يجعل الأبحاث المصرية متوافقة مع المعايير العلمية العالمية، ويوفر قاعدة بيانات يمكن الاعتماد عليها في الدراسات البيئية، وفي مشروعات استخدام النباتات في الطب والصناعة.
الفلورا المصرية.. ثروة طبيعية وبنك جينات للأمن الغذائي
وتتفق الباحثتان على أن كثيرًا من المواطنين قد لا يدركون المعنى الحقيقي لمصطلح "الفلورا المصرية"، رغم أنه يعبر عن واحدة من أهم الثروات الطبيعية التي تمتلكها الدولة.
وتوضح الدكتورة رانيا علي حسن أن الفلورا المصرية تضم جميع النباتات التي تنمو طبيعيًا دون تدخل الإنسان، وليست النباتات المزروعة أو التي يتولى الإنسان رعايتها.
وتضرب مثالًا بالنباتات التي تنمو على جانبي الطرق الصحراوية أو في البيئات الطبيعية المختلفة، حيث استطاعت التكيف مع الظروف البيئية القاسية دون أي تدخل بشري.
وتؤكد أن هذه النباتات ليست مجرد مكونات للبيئة، وإنما تمثل ثروة استراتيجية حقيقية، قائلة إن الفلورا المصرية تعد بمثابة "بنك جينات"، لأنها تضم نباتات تحمل صفات وراثية فريدة، مثل القدرة على تحمل الجفاف وارتفاع درجات الحرارة والملوحة ومقاومة الأمراض، وهي صفات يمكن الاستفادة منها مستقبلًا في تحسين المحاصيل الزراعية واستنباط أصناف جديدة أكثر قدرة على مواجهة التغيرات المناخية.
وتضيف: "هذه النباتات هي مخزوننا الوراثي، وهي أحد عناصر الأمن القومي الغذائي المصري، لأنها قد تمدنا مستقبلًا بجينات تساعد في تطوير النباتات التي نعتمد عليها في غذائنا."
ومن جانبها، توضح الدكتورة ريم سمير حمدي أن الفلورا المصرية هي ببساطة النباتات البرية التي تنمو طبيعيًا داخل البيئات المصرية دون تدخل الإنسان، أما الهوية النباتية فهي البصمة التي تميز نباتات مصر عن غيرها، وتعكس النباتات الأصيلة التي تعبر عن طبيعة الأرض المصرية وتاريخها البيئي.
أما الدكتورة رانيا فتشرح مفهوم الهوية النباتية بصورة أكثر تفصيلًا، مؤكدة أنها تشمل جميع الصفات التي تميز كل نبات عن غيره، سواء من حيث الشكل الخارجي، أو الأوراق، أو الأزهار، أو الثمار، أو أماكن انتشاره، أو انتمائه التصنيفي داخل شجرة الحياة النباتية، بحيث يمتلك كل نوع هوية علمية خاصة به.
إضافة فصيلة نباتية جديدة.. ثمرة تراكم البحث العلمي
ومن النتائج المهمة التي كشفت عنها الدراسة إضافة فصيلة نباتية جديدة إلى فلورا مصر.
وتوضح الدكتورة رانيا أن هذه الإضافة لم تكن نتاجًا مباشرًا للدراسة الحالية، وإنما جاءت بعد مراجعة واعتماد دراسة علمية نُشرت خلال السنوات الماضية، أجراها أحد أساتذة معشبة القاهرة، واكتشف خلالها نباتًا ينتمي إلى فصيلة لم تكن مدرجة ضمن القائمة المرجعية الصادرة عام 2009.
وتضيف أن الفريق البحثي قام بمراجعة جميع الدراسات التصنيفية المنشورة خلال الخمسة عشر عامًا الماضية، والتحقق من نتائجها واعتمادها علميًا، ثم ضمها إلى المرجع الجديد، ليعكس أحدث ما توصل إليه العلم في مجال تصنيف النباتات المصرية.
أما الدكتورة ريم فتشير إلى أن إضافة الفصيلة الجديدة تعني أن الدراسات الميدانية الحديثة نجحت في تسجيل نباتات تنتمي إلى فصيلة لم تكن موثقة سابقًا داخل مصر، بعدما ثبت وجودها في أكثر من موئل طبيعي، وهو ما يؤكد أهمية استمرار أعمال المسح الميداني والدراسات التصنيفية.
182 نوعًا نباتيًا جديدًا.. مراجعة آلاف السجلات والعينات
ولم يكن تسجيل 182 نوعًا نباتيًا جديدًا ضمن القوائم المرجعية المصرية عملية بسيطة، بل جاء بعد مراجعة علمية واسعة.
وتقول الدكتورة رانيا إن هذه الأنواع كانت موزعة بين عشرات الدراسات التي نُشرت خلال السنوات الماضية، وبعد التحقق من نتائجها تقرر ضمها إلى المرجع الجديد حتى لا تبقى نتائجها متفرقة في الأبحاث العلمية.
أما الدكتورة ريم فتوضح أن الفريق راجع آلاف السجلات النباتية المحفوظة داخل المعشبات، وقارنها بقواعد البيانات العالمية، مثل "فلورا العالم" و"نباتات العالم عبر الإنترنت" و"المرفق العالمي لمعلومات التنوع الحيوي"، بالإضافة إلى مراجعة جميع الدراسات المنشورة خلال الخمسة عشر عامًا الماضية، للتأكد من أن كل نوع مسجل بالفعل داخل مصر ومدعوم بعينات نباتية موثقة.
وتؤكد أن هذه المراجعة الدقيقة كانت ضرورية حتى تخرج القائمة الجديدة بأعلى درجات الدقة العلمية.
استبعاد 62 نوعًا.. الدقة لا تقل أهمية عن الاكتشاف
وفي مقابل إضافة أنواع جديدة، انتهت الدراسة إلى استبعاد 62 نوعًا نباتيًا من القائمة المرجعية، وهو ما قد يثير تساؤلات حول أسباب ذلك.
وتؤكد الدكتورة رانيا أن هذا الاستبعاد لا يعني إطلاقًا انقراض هذه النباتات، وإنما جاء بعد مراجعة علمية دقيقة كشفت أن بعضها سجل سابقًا نتيجة أخطاء في التعريف، أو بسبب الخلط بين أنواع متشابهة، أو لعدم وجود أدلة علمية موثقة تثبت وجودها داخل مصر، بينما تبين أن بعضها الآخر نباتات مزروعة وليست جزءًا من الفلورا البرية المصرية.
وترى أن الاستبعاد لا يقل أهمية عن إضافة الأنواع الجديدة، لأنه يمنع تضخم أعداد النباتات المسجلة، ويقدم صورة أكثر دقة للتنوع النباتي الحقيقي.
وتتفق معها الدكتورة ريم، مؤكدة أن الفريق اعتمد معايير علمية صارمة، واستبعد الأنواع التي سُجلت قديمًا بالخطأ أو التي لم توجد لها عينات محفوظة، وكذلك النباتات المزروعة في الحدائق والمزارع، مثل بعض أنواع البصل والثوم ونباتات الزينة، لأنها لا تنمو طبيعيًا في البيئة المصرية.
74 نوعًا متوطنًا.. مسؤولية مصر أمام العالم
ومن أبرز نتائج الدراسة توثيق 74 نوعًا نباتيًا متوطنًا لا يوجد في أي مكان آخر على سطح الأرض سوى داخل الحدود المصرية.
وتوضح الدكتورة رانيا أن هذه النباتات تمثل قيمة علمية وبيئية استثنائية، لأن فقدانها يعني اختفاءها نهائيًا من العالم كله، مؤكدة أن بعضها قد يحمل صفات وراثية نادرة يمكن أن تكون ذات أهمية كبيرة للأبحاث العلمية ولتطوير المحاصيل الزراعية مستقبلًا.
وتضيف أن الحفاظ على هذه النباتات يمثل مسؤولية مصر الأولى، لأنها إرث بيولوجي لا يمكن تعويضه.
وتصفها الدكتورة ريم بأنها ثروة لا تقدر بثمن، مؤكدة أن هذه الأنواع تشكل جزءًا أساسيًا من التوازن البيئي في مصر، ولذلك يجب أن تأتي في مقدمة أولويات برامج الحماية والحفاظ على التنوع الحيوي.
لماذا تتصدر سيناء خريطة التنوع النباتي؟
وأظهرت الدراسة أن شبه جزيرة سيناء تعد أغنى مناطق مصر بالتنوع النباتي، وهو ما تفسره الباحثتان بخصائصها الطبيعية الفريدة.
وتوضح الدكتورة رانيا أن سيناء تجمع بين البيئات الساحلية والصحراوية والجبال والمرتفعات، وهو تنوع كبير في التضاريس والمناخ يسمح بوجود أعداد ضخمة من النباتات النادرة والمتوطنة، خاصة في منطقة سانت كاترين.
أما الدكتورة ريم فتشير إلى أن سيناء تضم نحو 1465 نوعًا نباتيًا، بفضل تنوع بيئاتها من جبال ووديان ومصاطب وشقوق صخرية ومنحدرات، وهو ما يوفر بيئات طبيعية معزولة تسمح باستمرار أنواع نباتية لا توجد في أماكن أخرى.
وترى أن هذا الثراء يمكن أن يدعم السياحة البيئية، إلى جانب الأبحاث الخاصة باستخلاص المركبات الدوائية من النباتات النادرة، مع التأكيد على ضرورة استمرار حماية هذه المناطق من خلال المحميات الطبيعية والإدارة البيئية الرشيدة.
قاعدة بيانات وطنية لحماية التنوع الحيوي
ولا تقتصر أهمية الدراسة على كونها مرجعًا علميًا لتصنيف النباتات، بل تمتد إلى كونها أداة عملية يمكن أن تستند إليها الجهات المعنية عند وضع سياسات الحفاظ على التنوع الحيوي.
وتؤكد الدكتورة رانيا علي حسن أن أول خطوة لحماية أي نوع نباتي هي التعرف عليه وتوثيقه بصورة صحيحة، قائلة: "لا نستطيع حماية ما لا نعرف اسمه"، وتوضح أن الدراسة توفر لأول مرة قاعدة بيانات حديثة تضم أسماء النباتات المصرية، ووضعها التصنيفي الحالي، وتحدد الأنواع المتوطنة وشبه المتوطنة، بما يتيح للجهات المختصة تحديد الأنواع الأولى بالرعاية ووضع خطط استراتيجية، سواء قصيرة أو طويلة المدى، للحفاظ عليها.
وتضيف أن هذه القاعدة ستكون مرجعًا موثوقًا لصناع القرار عند إعداد السياسات البيئية، كما ستساعد الباحثين في الاعتماد على معلومات دقيقة ومحدثة بدلًا من الرجوع إلى قوائم قديمة لم تعد تعكس الواقع الحالي للنباتات المصرية.
ومن جانبها، تشير الدكتورة ريم سمير حمدي إلى أن الدراسة حددت الوضع الحالي للأنواع النباتية، سواء كانت نادرة أو مهددة، وفقًا للمعايير الدولية، وهو ما يسهل على الجهات المختصة تحديد أولويات الحماية، واتخاذ الإجراءات المناسبة للحفاظ على الأنواع الأكثر عرضة للخطر، سواء من خلال إنشاء محميات طبيعية أو تنفيذ برامج لإعادة تأهيل موائلها الطبيعية.
مرجع يساعد صانع القرار ويحمي الموارد الطبيعية
وترى الباحثتان أن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز لا تقتصر على الأوساط الأكاديمية، وإنما تمتد إلى مختلف مؤسسات الدولة.
وتوضح الدكتورة ريم أن القائمة الجديدة تمثل "خريطة طريق" لصانع القرار، إذ يمكن الرجوع إليها قبل تنفيذ المشروعات القومية أو التوسعات العمرانية، للتأكد من عدم تأثيرها على مناطق تضم نباتات نادرة أو متوطنة تحتاج إلى الحماية.
وتضيف أن المرجع الجديد يدعم الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية، ويسهم في تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على البيئة، وهو ما يتوافق مع أهداف التنمية المستدامة.
كما تؤكد أن وزارة البيئة يمكنها الاستفادة من نتائج الدراسة في تطوير المحميات الطبيعية، بينما تستطيع وزارة الزراعة الاعتماد عليها في التعرف على النباتات المحلية القادرة على تحمل الجفاف والملوحة، بما يدعم برامج التشجير ومكافحة التصحر، ويقلل الاعتماد على الأنواع الدخيلة التي قد تؤثر سلبًا في البيئة المصرية أو تستهلك كميات أكبر من المياه.
مؤشرات تستدعي الانتباه
ورغم ما حملته الدراسة من نتائج إيجابية، فإنها كشفت أيضًا عن مؤشرات تستدعي الانتباه.
وتوضح الدكتورة ريم أن غياب عينات حديثة لبعض الأنواع النباتية التي كانت مسجلة سابقًا قد يكون مؤشرًا على تراجع بعض الموائل الطبيعية أو تأثرها بالتغيرات المناخية والأنشطة البشرية، مؤكدة أن ذلك يمثل جرس إنذار يستدعي تكثيف الدراسات الميدانية وتسريع إجراءات حماية البيئات الطبيعية قبل فقدان مزيد من الأنواع.
وتتفق معها الدكتورة رانيا، التي تؤكد أن التغيرات البيئية المتسارعة تفرض ضرورة استمرار أعمال الرصد والتوثيق، لأن التنوع النباتي ليس ثابتًا، وإنما يتأثر بصورة مستمرة بالظروف المناخية والأنشطة البشرية.
مواكبة أحدث التصنيفات العالمية
ومن أبرز ما يميز الدراسة أنها لم تكتف بحصر النباتات، وإنما أعادت مراجعة جميع الأسماء العلمية والتصنيفات وفق أحدث النظم العالمية.
وتوضح الدكتورة رانيا أن الاعتماد على القوائم القديمة كان يعني استخدام أسماء علمية لم تعد معترفًا بها في قواعد البيانات الدولية، وهو ما كان سيؤثر في جودة الأبحاث المصرية ويحد من قدرتها على التواصل مع المجتمع العلمي العالمي.
وتضيف أن المرجع الجديد أصبح يمثل القائمة الوطنية الحديثة التي تعكس الوضع التصنيفي الحالي للنباتات المصرية.
وتؤكد الدكتورة ريم أن الفريق اعتمد أحدث النظم التصنيفية العالمية في تحديث أسماء الأنواع والفصائل النباتية، بما يتوافق مع أحدث الأدلة الوراثية والعلاقات التطورية بين النباتات، وهو ما يجعل الباحث المصري يستخدم اللغة العلمية نفسها التي يعتمدها الباحثون في مختلف دول العالم، ويسهل نشر الأبحاث المصرية في المجلات الدولية المرموقة.
ما الذي يميز الدراسة عن القوائم السابقة؟
وترى الباحثتان أن ما يميز الدراسة ليس فقط كونها أول مراجعة شاملة منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، وإنما أيضًا المنهج العلمي الذي اعتمد على مراجعة دقيقة لجميع الدراسات المنشورة خلال تلك الفترة.
وتؤكد الدكتورة رانيا أن المرجع الجديد جمع للمرة الأولى نتائج الأبحاث المتفرقة في قاعدة بيانات واحدة، بما يضمن سهولة الوصول إليها والاستفادة منها.
أما الدكتورة ريم فتشير إلى أن الدراسة تعد أول قائمة مرجعية توضح بصورة دقيقة النباتات الدخيلة التي دخلت مصر واستقرت فيها، وهو ما لم يكن واضحًا بهذا المستوى في القوائم السابقة، فضلًا عن مراجعة وتحديث جميع الأسماء العلمية وفق أحدث المراجع الدولية.
بداية لاكتشافات جديدة
ورغم أهمية ما تحقق، تؤكد الباحثتان أن الدراسة ليست نهاية الطريق، وإنما تمثل بداية لمرحلة جديدة من البحث العلمي.
وتقول الدكتورة رانيا إن هناك العديد من المناطق الوعرة التي لم تدرس بالشكل الكافي، مثل بعض الأودية الصحراوية والمرتفعات الجبلية، وهي مناطق يصعب الوصول إليها، لكنها قد تضم أنواعًا نباتية جديدة لم تُكتشف بعد، معربة عن أملها في توفير تمويل أكبر للرحلات العلمية والدراسات الميدانية لاستكمال استكشاف التنوع النباتي المصري.
وتتفق معها الدكتورة ريم، مؤكدة أن استمرار العمل الميداني، إلى جانب تأثيرات التغيرات المناخية وحركة انتشار النباتات، قد يؤدي إلى اكتشاف أنواع جديدة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يشجع الباحثين الشباب على مواصلة العمل في مجال التصنيف النباتي.
قاعدة بيانات رقمية متجددة
ولا تخفي الباحثتان طموحهما في ألا يتكرر انتظار خمسة عشر عامًا لإصدار تحديث جديد للفلورا المصرية.
وتؤكد الدكتورة رانيا أن الهدف هو تحديث القائمة بصورة مستمرة، مع إنشاء قاعدة بيانات رقمية تُحدَّث دوريًا كلما جرى تعديل اسم علمي، أو اكتشاف نوع جديد، أو تغيير الوضع التصنيفي لأي نبات، مشيرة إلى أن الفريق يعمل بالفعل على مراجعات جديدة قد تسفر عن إضافات أخرى للفلورا المصرية.
وتضيف الدكتورة ريم أن الخطوة المقبلة تتمثل في إنشاء قاعدة بيانات رقمية تفاعلية وديناميكية تتيح نتائج البحث لجميع الباحثين بسهولة، إلى جانب تنفيذ مشروع للتوثيق الرقمي الشامل للنباتات المصرية من خلال صور وعينات ممثلة لكل نوع، بما يؤسس لمرجع عالمي مستدام للفلورا المصرية.


















0 تعليق