تحل اليوم الموافق السابع عشر من أكتوبر، ذكرى رحيل الفنان الكبير يوسف وهبي، الملقب بـ "عميد المسرح العربي" وفنان الشعب، لتعيد إلى الأذهان مسيرة فنية استثنائية لأحد أبرز رواد المسرح والسينما في مصر، الذي لم يكتفِ بالوقوف أمام الكاميرا أو اعتلاء خشبة المسرح، بل خاض تجارب متعددة في التأليف والإخراج والإنتاج، وأسهم في تشكيل ملامح الفن المصري الحديث.
يوسف وهبي.. حكاية فنان أكبر من أدواره
ولم تكن حياة يوسف وهبي مجرد حكاية نجاح وشهرة، بل حملت أيضًا فصولًا إنسانية شديدة التعقيد، كشف بعضها في مذكراته، متحدثًا عن تجارب قاسية مر بها، من الإدمان والقمار إلى الأزمات المالية والعاطفية، ولعل البداية كانت من الفيوم، حيث ولد يوسف وهبي في أسرة ميسورة الحال، لكن شغفه بالفن بدأ مبكرًا، بعدما شاهد فرقة الفنان اللبناني سليم القرداحي في مدينة سوهاج، لتترك تلك التجربة أثرًا عميقًا في نفسه وتفتح أمامه أبواب عالم التمثيل.
بدأ وهبي ممارسة هوايته بإلقاء المونولوجات وأداء التمثيليات في النادي الأهلي والمدرسة، غير أن طريقه لم يكن تقليديًا، إذ عمل لفترة في المصارعة، وتدرب على يد المصارع عبد الحليم المصري، الذي كان يُعد من أبطال الشرق في ذلك الوقت، وبعد الحرب العالمية الأولى، سافر إلى إيطاليا لدراسة التمثيل، وتتلمذ على يد الممثل الإيطالي كيانتوني، مستفيدًا من احتكاكه بالتجربة المسرحية الأوروبية، قبل أن يعود إلى مصر حاملًا طموحًا كبيرًا لتأسيس مشروع فني مختلف.
مسرح رمسيس.. الحلم الذي غير مسيرته
بعد عودته إلى مصر، عمل يوسف وهبي في مسرح حسن فايق، ثم اتجه إلى تأسيس مسرح رمسيس وشركة رمسيس للإنتاج السينمائي، في خطوة أسهمت في ترسيخ مكانته بوصفه أحد رواد المسرح المصري الحديث،ولم يتوقف نشاطه عند التمثيل، بل شارك في تأسيس أستوديو نحاس، وتولى إدارة فرقة المسرح العربي، التي عُرفت حينها باسم الفرقة المصرية للتمثيل والموسيقى.
كما كتب عددًا كبيرًا من المسرحيات وأخرجها، من بينها كرسي الاعتراف وأولاد الفقراء، ليصبح نموذجًا للفنان الشامل الذي يجمع بين الإبداع الفني والإدارة والإنتاج، ويعمل على تطوير أدوات المسرح وتوسيع جمهوره، ثم امتدت تجربة يوسف وهبي إلى السينما، حيث جمع بين التمثيل والتأليف والإخراج، وقدم أعمالًا تركت أثرًا واضحًا في تاريخ الشاشة المصرية، من بينها غرام وانتقام،حياة أو موت، القاهرة 30، وميرامار.
وتبرز أهمية هذه التجربة في أن الأفلام الخمسة وردت ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية، وفق اختيار النقاد، بما يعكس امتداد تأثير يوسف وهبي عبر مراحل مختلفة من تطور السينما المصرية،كما ارتبط اسمه بأعمال جماهيرية أخرى، من بينها البؤساء وإشاعة حب وحبيب الروح، وظل حضوره الفني قائمًا على قدرته على تقديم شخصيات متنوعة، تجمع بين القوة الدرامية والتعبير الإنساني.
ولم تقتصر شهرته على أدواره وأعماله، بل امتدت إلى عباراته التي أصبحت جزءًا من الذاكرة الشعبية، وفي مقدمتها صيحته الشهيرة "يا للهول!"، إلى جانب مقولته "ما الدنيا إلا مسرح كبير"،التي تختصر جانبًا من رؤيته للحياة والفن.
اعترافات صادمة.. الإدمان والقمار وأزمات المال
خلف الصورة اللامعة للفنان الناجح، عاش يوسف وهبي مراحل صعبة كشف عن بعضها في مذكراته، متحدثًا بصراحة عن تجارب شخصية تركت آثارًا قاسية في حياته، ومن أبرز ما رواه معاناته مع إدمان المخدرات خلال فترة إقامته في إيطاليا، حين واجه ضائقة مالية في شبابه، ووصل به الأمر، وفق ما ورد في اعترافاته، إلى عدم القدرة على النوم إلا بعد تعاطي حقنة من المخدر.
كما تحدث عن إدمانه لعب القمار، الذي استنزف مبالغ ضخمة من أمواله، بلغت عشرات الآلاف من الجنيهات، وهي ثروة كبيرة بمقاييس ذلك الزمن، لتكشف تلك التجربة عن جانب مظلم في حياة فنان اعتاد الجمهور رؤيته في موقع النجاح والتألق.
ولم تكن الأزمات المالية بعيدة عن حياته العاطفية، إذ تحدث عن تعرضه للإفلاس نتيجة علاقته بإحدى الراقصات وإنفاقه عليها، حتى اضطر في مرحلة من حياته إلى الإقامة فوق أسطح المباني، ومحاولة الهرب من الدائنين، رغم انتمائه إلى أسرة ثرية.
وفي حديثه عن علاقاته النسائية المتعددة، لم يقدم نفسه بوصفه إنسانًا منزّهًا عن الأخطاء، بل قال في مذكراته: لا أدّعي كوني قديسًا أو راهبًا في محراب، أو متصوفًا، أو معصومًا من الخطأ والشهوات"، وتمنح هذه الاعترافات جانبًا إنسانيًا إضافيًا لسيرته، بعيدًا عن الصورة المثالية التي قد تحيط أحيانًا بأسماء النجوم الكبار، وتكشف أن وراء المجد الفني تجارب شخصية معقدة، وانتصارات وانكسارات لا تقل درامية عن الأدوار التي قدمها على الشاشة.
- محطات في حياة الفنان فؤاد شفيق.. من السودان إلى المسرح والسينما
- 55 عامًا على الرحيل..تعرف على أبرز اعمال سعيد أبو بكر
- ذكرى رحيل النجم محمود ياسين.. من المسرح القومي للقب فتى الشاشة الأول
- ذكرى ميلاد أنور وجدى.. رحلة "أبو الفنانين" من المسرح إلى قمة السينما المصرية
- ذكرى رحيله.. طلعت زكريا ابن المسرح الذى صنع الضحكة ورحل فى هدوء




