المدرسة عندما تستعيد شجاعتها الوجودية - ترند نيوز

مكه 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
المدرسة عندما تستعيد شجاعتها الوجودية - ترند نيوز, اليوم الأحد 3 مايو 2026 12:51 صباحاً

[source+https://trading-secrets.guru]

تكنّ المدرسة، في أصل فكرتها الإنسانية العميقة، مكانا لتكديس المعلومات أو لتسيير الدروس كما تدار المعاملات في المكاتب البيروقراطية؛ بل كانت وعدا حضاريا كبيرا بأن يجد الإنسان في المعرفة طريقا لاكتشاف نفسه والعالم الذي يعيش فيه، وأن يصبح التعلم تجربة حية تمس الروح والعقل في آن واحد، غير أن هذا الوعد النبيل أخذ يتآكل تدريجيا عبر العقود حتى بدأت المدارس في كثير من الأماكن تشبه مؤسسات إدارية ضخمة أكثر مما تشبه بيوتا للمعرفة، وصار المعلم رغم نبل رسالته؛ محاصرا بسلسلة طويلة من الإجراءات والنماذج وطرق التدريس التي تقيس ما ينجز على الورق أكثر مما تقيس ما يتغير في المتعلم، بينما يتحرك الطلاب داخل اليوم الدراسي كأنهم يعبرون سلسلة من المحطات الميكانيكية المتكررة التي تبدأ بجرس وتنتهي بجرس، دون إجابة محسومة لسؤال لم يطرح بعد بالجدية الكافية: ماذا بقي في سلوك الطالب بعد أن انتهى الدرس؟

لقد أصبح المشهد المدرسي مألوفا إلى حد يفوق التحمل؛ يمشي المعلمون والطلاب إلى فصولهم مبرمجين لا يجمعهم سوى التقيد بإتمام الجداول. فالحصص تتتابع كما تتتابع خطوط الإنتاج، والمقررات تتقدم صفحة بعد صفحة، والاختبارات ورصد النتائج تجرى في مواعيدها المحددة، بينما تتراجع شيئا فشيئا تلك الفكرة والشرارة الأولى التي جعلت البشرية تنشئ المدارس أصلا. شرارة الأسئلة والاكتشاف وفضول التجربة. ولعل ما يزيد المفارقة حدة أن معظم المعلمين أنفسهم يدركون هذا الخلل بوضوح، فهم يشعرون في أعماقهم بأن التعليم يمكن أن يكون أكثر حياة وعمقا مما تتيحه الممارسات اليومية المعتادة، غير أن الاستسلام لرتابة الإجراءات، ومطاردة التوقعات المؤسسية يجعل كثيرا من هذه الإمكانات حبيسة النوايا الطيبة لا أكثر.

وليس هذا القلق حديثا أو طارئا؛ فقد دق المفكرون التربويون الكبار ناقوس الخطر منذ نشوء الأنظمة التعليمية المؤسسية وحتى اليوم. وحذروا من تحول المدرسة لمكان يقوض التفكير أكثر مما يطلق قدراته. لكن الملفت للنظر أن هذه الأنظمة لم تتخل يوما عن اعتمادها المطلق على حركة المعايير. بل على العكس تماما. لقد طرحت أطرا من المعايير والاختبارات الدولية الموحدة التي تشمل العالم كله! حيث افترضت - في ممارسة فجة - أن اختبارا واحدا يمكن أن يكون معيارا موضوعيا وصادقا لقياس جميع طلاب كوكب الأرض! لقد تحدث المفكر التربوي «كين روبنسون» عن هذه المعضلة تحديدا. حيث أشار إلى أن الخطأ الجوهري والمستمر في المدرسة الحديثة لا يكمن في نقص الموارد أو ضعف المعلمين، بل في الافتراض العميق الذي بنيت عليه المنظومة التعليمية بأكملها، وهو افتراض أن المعرفة يمكن أن تنقل بطرق محددة إلى جميع العقول، وأن الذكاء الإنساني يمكن قياسه بمعايير موحدة لكل المتعلمين، وأن الإبداع حالة استثنائية لا ضرورة أساسية، بينما يؤكد روبنسون أن المدرسة الحقيقية هي تلك التي تعترف بتنوع العقول البشرية وتعمل على إطلاق طاقاتها بدل أن تحاول صبها في قالب واحد جامد.

أما المفكر الاجتماعي الجريء إيفان إيلتش فقد ذهب في نقده إلى مدى أبعد بكثير حين رأى أن المدرسة الحديثة، حين تتحول إلى مؤسسة تحتكر المعرفة وتحدد الطريق الوحيد للوصول إليها، فإنها قد تنتهي - دون أن تقصد - إلى تدمير روح التعلم نفسها، لأن الإنسان يتعلم بطبيعته عبر الفضول والتجربة والمناقشات الحرة، ولا يقبل التعلم عبر الإلزام المستمر، ولذلك فإن أخطر ما قد يحدث للتعليم هو أن يصبح التعلم نشاطا مفروضا لا مغامرة فكرية يشارك فيها الطالب بإرادته واهتمامه.

وفي السياق نفسه، يلفت عالم النفس ديفيد هاوكنز إلى أن جوهر العملية التعليمية لا يكمن في كمية المعلومات التي يقدمها المعلم، بل في العلاقة الحيوية التي تنشأ بين ثلاثة عناصر أساسية: (المعلم والطالب والعالم الذي يحاولان فهمه معا). فإذا اختل هذا التوازن وتحول المعلم إلى مركز العملية كلها، تضاءلت مساحة الاكتشاف لدى الطالب، وتراجع الفضول الذي يمثل المحرك الحقيقي لكل تعلم عميق. فالفضول في معناه السياقي يعني دافعية المتعلم لفهم المواضيع، والرغبة للبحث في تفاصيلها.

إن هذه الأطروحات، حين تقرأ في ضوء الواقع المدرسي اليوم، قد ينظر لها على أنها فلسفات نظرية خيالية. لن تصمد أمام تحديات الميدان. فعندما يدرس المعلم في فصل يكتظ بالطلاب. أو حين يزدحم جدوله بالحصص والمقررات، أو عندما لا يتوفر الحد الأدنى من اشتراطات البيئة المدرسية المناسبة. كيف يطلب من المعلم عندئذ أن يطبق مثل هذه الأطروحات التي يكتبها أصحابها وهم يجلسون في غرف واسعة ومكاتب وثيرة؟ فيما يقف المعلم مواجها تحديات ليس مسؤولا عنها وليست من صميم عمله!

إن هذه الأسئلة مشروعة بل بديهية. لكنها تحمل الرد الحقيقي في طيات السؤال نفسه. إذ إن ما تنادي به هذه الأطروحات لا يزيد عن فكرة واحدة؛ وهي أن يبني المعلم مع المتعلم علاقة حقيقية تقوم على إتاحة الفرصة دائما للمتعلم. لكن ما يسعى لإتمامه المعلم والمتعلم اليوم هو تنفيذ خطة مرسومة يجب أن ترضي المسؤولين من خارج الصف. لقد أصبحوا يؤدون مشهدا أشبه بالمسرحية اليومية المتكررة في كل صف. ولا يمكن وصف الحالة النفسية التي يمكن أن تحطم أي إنسان مهما بلغت صلابته عندما يعيد المشهد نفسه كل يوم. وبانقضاء سنوات وراء سنوات يصبح هذا الأداء المسرحي أكثر المشاهد كآبة وانتظاما في الحياة المدرسية. وحينئذ يصبح الأمر لا يشكل فارقا يذكر إن كانت البيئة المادية للمدرسة في أحسن أو أسوأ أحوالها. ولن يكون الجهد المبذول هو مصدر انخفاض الروح المعنوية. بل نكتشف بوضوح أن الأزمة التي تعاني منها المدارس ليست أزمة مباني أو أدوات أو تقنيات، ولا نقص في الموارد البشرية، بل أزمة غاية ومعنى مفقود؛ فقد أصبحت العملية التعليمية في كثير من الأحيان ممارسة إجرائية دقيقة لكنها خالية من الروح، حيث ينجز الجميع ما هو مطلوب منهم بدقة واهتمام، ومع ذلك يشعر كثير من المعلمين والطلاب بأن شيئا ما مفقود في صميم التجربة التعليمية، ذلك الشيء الذي يجعل المعرفة حدثا إنسانيا حقيقيا لا يتوقف في حدود المادة الدراسية ومعايير الاختبارات. وبالتالي يظل أعمق دوافع المهنة التعليمية للمعلم غائبا أو مكبوتا، فلا يلمس لجهده أثر، ولا يشعر أن مرور الطلاب طوال فترة عمله قد كان له أهمية تذكر! فالمعلم يستمد قوته المهنية من مصدر واحد لا يوجد غيره. وهو حين يلمس أثره في طلابه وعندما يشعر بطاقتهم حوله.. حينها يمكن أن يفتح لهم آفاق المعرفة والتعلم ولو كانوا ينفذون الدرس على سفح جبل.

ومن هنا يبدأ الطريق نحو الحل؛ فإعادة الروح إلى المدرسة لا يمكن أن تتحقق عبر تعديلات سطحية في الجداول أو المناهج، أو المزيد من المعايير والمؤشرات. بل تحتاج إلى شجاعة فكرية ووجودية تسمح بإعادة تخيل المدرسة نفسها كفضاء حي للتجربة والحوار، والانعتاق من رؤيتها كنظام أبدي لتوزيع الحصص والطلاب. إن المدرسة التي تستعيد معناها هي المدرسة التي تتحول إلى بيئة تشجع السؤال قبل الإجابة، وتسمح للمعلم بأن يجرب ويبتكر دون خوف من الخطأ، وتمنح الطالب فرصة أن يكون مشاركا في بناء المعرفة أكثر من كونه متلقيا خاملا لها.

وفي هذا الإطار - وبحدود ما يسعفنا به محتوى المقال - يمكن تصور مبادرات تربوية جريئة تعيد الحياة إلى الفصول الدراسية، وتكسر دائرة الروتين محكمة الإغلاق. مثل تخصيص فترة زمنية محددة في العام تعلق فيها الحصص التقليدية ليحل محلها أسبوع كامل من التعلم المفتوح الذي يقوده الفضول والأسئلة الكبرى، حيث يختار الطلاب القضايا التي يريدون استكشافها، وأنشطة التعلم التي يحددونها. ويعمل المعلمون بوصفهم مرافقين فكريين لا ملقنين، فتتحول المدرسة خلال هذه الأيام إلى ورشة ضخمة للحوار والاكتشاف، يرى فيها المعلم طلابه خارج التصنيفات المعتادة، ويرى فيها الطالب أن المدرسة يمكن أن تكون بيئة إنسانية حقيقية. تتحول قاعاتها وجدرانها لمساحات حرة للتجربة. فيتاح له - ولو لمرة واحدة - النظر لها دون أن يراها كقاعات اختبار أو كقدر تعيس ومحتوم.

وإلى جانب هذه المبادرات الجريئة التي تحرك القناعات الراسخة، يمكن للمدارس أن تبدأ أيضا بتغييرات صغيرة لكنها عميقة الأثر داخل الدروس اليومية، كأن يعاد تصميم بعض الحصص بحيث تبدأ بسؤال مفتوح يقود لسؤال آخر والاستغناء عن الشرح المباشر، أو أن تمنح مساحة أكبر للنقاش والتجريب دون التقيد الحرفي بالمحتوى، أو أن تصمم مواقف تعليمية تسمح للطلاب بتحمل مسؤولية التعلم وليس الاكتفاء بمتابعته، لأن مثل هذه التحولات الصغيرة، حين تتكرر وتترسخ، تستطيع أن تغير الثقافة التعليمية بأكملها دون أن تصطدم بالنظام المؤسسي القائم.

إن المدرسة التي نحتاجها اليوم ليست مدرسة أكثر صرامة أو أكثر انشغالا بالاعتمادات، بل مدرسة أكثر شجاعة في التجريب وأكثر ثقة في إنسانية التعلم؛ مدرسة ترى المعلم كعقل مبدع ومطور. دون أن تحوله معاييرها إلى موظف منفذ، وترى في الطالب إنسانا في طور الاكتشاف والبناء ولا تعامله كوعاء للمعلومات. فالتعليم، في جوهره العميق، ليس عملية نقل معرفة فحسب، بل رحلة إنسانية مشتركة يكتشف المعلم والمتعلم من خلالها قدرات ومواهب لا محدودة، وكلما اقتربت المدرسة من هذه الحقيقة، استعادت تلك الروح الأولى التي جعلت البشرية تؤمن بأن التعلم ليس مجرد مرحلة من مراحل الحياة، بل أحد أجمل أشكالها التي تمتد مع امتداد رحلة العمر.

أخبار ذات صلة

0 تعليق