نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
معايرة حرجية المخاطر - ترند نيوز, اليوم الثلاثاء 21 أبريل 2026 10:41 مساءً
[source+https://trading-secrets.guru]
في حادثة المكوك الفضائي تشالنجر 1986م تعامل المسؤول التشغيلي بشيء من التهوين وتقليل الحساسية (Underestimating Criticality) وأنها مخاطر تشغيلية من الممكن قبولها ضمن ظروف العمل رغم تلك المؤشرات التقنية الواضحة التي أفاد بها المهندسون، والتي تشير إلى أن أحد مكونات الإطلاق - حلقة العزل (O-ring) - يتأثر بشكل خطير بانخفاض درجات الحرارة، مما يعني أنه عنصر حرج جدا مرتبط بسلامة عملية الإطلاق. النتيجة كانت انفجار المكوك بعد 73 ثانية من الإقلاع وفقدان الطاقم.
على الضفة الأخرى، في الحادثة الشهيرة بمشكلة عام 2000 أو الألفية والمعروفة باسم (Y2K)، كان هناك خلل برمجي ظهر بسبب اعتماد كثير من الأنظمة القديمة على رقمين فقط لتمثيل السنة، مما جعلها تتعامل مع «00» على أنه 1900 بدل 2000. تم التعامل مع هذا الخطر بمبالغة تقييمية (Overestimating Criticality) وأنه تهديد قد يؤول إلى انهيارات شاملة للأنظمة الحيوية، وقد تم التعامل مع الخطر بتعبئة موارد ضخمة وتحديثات واسعة النطاق، وكأن الطابعات ستدب الحياة فيها وتتحول لروبوتات خارجة عن السيطرة، والواقع أن الخلل كان محدودا وليس بهذا المستوى الكارثي الوهمي.
في الحالة الأولى، تم تقليل مستوى الحرجية لمخاطر كانت في حقيقتها مرتبطة بالسلامة المباشرة، مما أدى إلى قرار تشغيل غير مناسب. وفي الحالة الثانية، تم تضخيم مستوى الحرجية بشكل موحد دون تمييز بين الأنظمة المختلفة، مما أدى إلى استجابة مبالغ فيها من حيث التكلفة والجهد. في كلتا الحالتين، لم تكن المشكلة في وجود المخاطر، بل في دقة معايرة مستوى الحرجية وربطه بالاستجابة المناسبة.
في إدارة المخاطر داخل المنظمات، ليست المشكلة الأساسية في وجود الخطر بحد ذاته، بل في الطريقة التي يتم بها تصنيفه وتحديد مستوى حساسيته قبل اتخاذ القرار. هذا التصنيف يحدد لاحقا شكل الإجراءات، ودرجة الحوكمة، وسرعة الاستجابة، وبالتالي يؤثر بشكل مباشر على نتائج المنظمة.
هذا يقود إلى فهم أعمق في تصميم المنظمات، وهو أن الحرجية (Criticality) لا يجب أن تعامل كتصنيف منفصل للمخاطر فقط، بل كعامل تصميم أساسي يبنى عليه شكل عمل المنظمة بالكامل. بمعنى أدق: مستوى الحرجية هو الذي يحدد كيف تصمم الإجراءات، وكم عدد طبقات الموافقات، ودرجة الرقابة، وسرعة اتخاذ القرار، وحتى مستوى الاعتماد على المرونة أو الصرامة داخل كل نشاط.
فكلما ارتفعت الحرجية، زادت الحاجة إلى ضبط أعلى وقرارات أكثر تحفظا، وكلما انخفضت، زادت المرونة وتقليل التعقيد الإجرائي. هذا المفهوم يعرف في النماذج الحديثة بمبدأ التناسب (Proportionality) ضمن أطر مثل (ISO 31000) و(COSO)، حيث يتم التأكيد على أن الضوابط يجب أن تتناسب مع مستوى المخاطر وليس أن تكون موحدة لكل الحالات.
ويستخدم هذا المبدأ عمليا في تصميم الحوكمة داخل المؤسسات، خصوصا عند بناء السياسات والإجراءات التشغيلية، وتحديد مستويات الموافقات (Approval Levels)، وتصنيف العمليات إلى حرجة وغير حرجة. أي أنه يطبق عندما تريد المنظمة أن تربط شدة الرقابة مباشرة بأهمية وتأثير النشاط، وليس بشكل موحد على جميع الأعمال.
عندما يتم تطبيق هذا المبدأ بشكل صحيح، تصبح المنظمة أكثر كفاءة، حيث يتم تخفيف الإجراءات في الأنشطة منخفضة الحساسية دون إلغاء المنهجية، وفي المقابل يتم تشديد الرقابة في الأنشطة عالية الحساسية. هذا التوازن ينعكس على الأداء العام من خلال تقليل الهدر في الموارد، وتحسين سرعة القرار، وزيادة دقة الاستجابة للمخاطر الفعلية كمثال بسيط للتوضيح، لا يعقل أن يكون مستوى الصرامة الحوكمية والرقابية في منظمة تدور أنشطتها حول الجانب النووي، والتي تتبنى منهجيات صفرية الحوادث والسلامة أولا وأخيرا مثلا، ومنظمة أخرى جوانبها التشغيلية تدور حول أنشطة الثروة السمكية التي قد تأخذ منحى النهج المتوازن في المخاطر أو تقبل بعض الخسائر مقابل النمو.
في النهاية، يتضح أن نجاح إدارة المخاطر لا يعتمد فقط على تحديدها، بل على دقة معايرة الحرجية (Criticality Calibration) وربطها بمستوى استجابة متناسب داخل المنظمة. أي خلل في هذه المعايرة، سواء بالمبالغة أو التقليل، يؤدي إلى نتائج غير متوازنة بين الفعالية والأمان.
fahdabdullahz@















0 تعليق