الصور ليست مجرد توثيق بصري، بل محاولة إنسانية خالصة لترسيخ اللحظة في الذاكرة، كأننا نخشى أن تمضي الأيام دون شاهد عليها لذلك، وبحسن نية، نحرص على التقاط الصور للمحطات التي نعدها مفصلية في حياتنا: التخرج، الزفاف، الترقيات، والنجاحات؛ أربع لحظات تكاد تتفق عليها أغلب النفوس البشرية بوصفها جديرة بالحفظ.
لكن، هل يمكن لذاكرة الفرح أن تتحول إلى عبء؟
في هذا النظام الكوني، لا شيء مطلق وقد تتحول بعض اللحظات من مناطق السعادة إلى مناطق الحزن، لا لأن اللحظة نفسها كانت قاسية أو خاطئة، بل لأن ما أعقبها لم يكن كما تمنينا، وهذا التحول مهما بدا مؤلما، يبقى جزءا من دورة الحياة التي لا تطلب منا التفسير بقدر ما تطلب منا القبول.
فالتحول يخضع لأكثر من مسار؛ إما بمعوقات خارجية لا يد لنا فيها، أو بتبدل الحدث ذاته ومعناه مع مرور الزمن، وهنا ربما يكمن التحدي الحقيقي: أن نفصل بين اللحظة وما ترتب عليها، وأن نستذكرها في إطارها الزمني الصادق، لا أن نحملها نتائج لم تكن جزءا منها، فاللحظة في ذاتها كانت جميلة، ولا ذنب لها فيما تلاها.
حين نلتقط صورة، نحن لا نخلد المستقبل، بل نخلد إحساسا عابرا كان صادقا في وقته، ولهذا لا ينبغي أن نسمح للذاكرة أن تستنزف باستدعاء ما حدث بعد تلك اللحظة، بل أن نعود إلى جوهرها الأول: لماذا التقطت؟ وماذا كنا نشعر حينها؟ فالإحساس لا يقاس بنتائجه، بل بصدقه في لحظته.
ومن زاوية أخرى، إذا تأملنا سلوك الإنسان في توثيق ذكرياته، وجدنا تطرفا في الاتجاهين، فهناك من يرفض التقاط الصور كليا، خوفا من أن تتحول الذكريات يوما إلى جراح مؤجلة، وكأن النسيان درع وقاية، وعلى الطرف المقابل، من يحرص على جمع كل الذكريات، الجميلة والمؤلمة، وكأن الذاكرة أرشيف لا يجوز إهماله، مهما أثقل صاحبه.
أما الوسطيون، وكعادتهم، فيقفون في المسافة بين الطرفين؛ يوثقون بحذر، ويتذكرون بانتقائية، ويتركون للزمن مساحة كافية ليعيد ترتيب المعاني دون استعجال أو قسوة.
وبوجهة نظري، أميل في داخلي إلى أولئك الذين يخشون جرح الذكريات، لكنني أعيش عمليا مع الوسطيين؛ ألتقط الصورة، أحتفظ بها، ثم أختار بوعي متى أعود إليها، وكيف أتذكرها، وما الذي أسمح لها أن تعنيه، فالذكرى لا تقاس بما تبعها، بل بما حملته في لحظتها الأولى، قد تتبدل النتائج، وقد تنقلب المعاني، لكن الصدق لا يتقادم وما كان صادقا في زمنه، يظل جميلا، حتى وإن تغير كل ما حوله.
azizomraan@
- دراسة تكشف ارتباطا بين الملح والذاكرة.. اعرف الكمية المناسبة
- أزمة عالمية في رقائق الذاكرة تهدد بارتفاع أسعار الهواتف الذكية حتى 2028
- "اللهم ارزق أطفالي قوّة التركيز"، دعاء الصباح للحفظ وتقوية الذاكرة للأطفال
- «أساور عائشة» لمراد القادري: استعادة الأثر الإنساني في الذاكرة
- "مايكرون" تراهن على نمو الروبوتات والسيارات ذاتية القيادة





