من الغارات إلى البحر… يوسف بزّي يكتب ما تبقّى من الحرب

منذ ساعة

تقطع النفَس رحلةُ الهرب شمالا من بيروت. «تلاحقني أصداء الغارات، وتسابقني شاحنات وباصات متهوّرة»، ثم يضيف المنام الكابوسي ما قد يراه المارّ مسرعا، أو يسمعه: «المطر يضرب الآرمات والطريق الزلقة والهاتف يضجّ بالأخبار العاجلة؟». وفجأة ينطّ «حامل الآر. بي. جي من الذاكرة إلى منتصف الشارع. ثم أشياء كثيرة ستحصل ليس أخطرها أن «تطاردني المخابرات السورية، وأركض حافيا في مرمى قنّاص إسرائيلي». وهي أمور سريعة التلاحق حتى إن ما يلي منها يزاحم ما كان سبقه. والأزمنة كثيرة في ما تأتي به اللحظات، حتى ليبدو ما تحمله صفحتا المنام، وهي القصيدة الأولى في الكتاب، سيرة حياة سريعة شبيهة بما قد يدلي به مريض لطبيبه، أو سجين لمعذّبه.
في القصيدة التالية يكمل «الأرق»، وهذا اسمها، ما كانت قد غفلت عنه القصيدة الأولى. وهي تختصر الحياة، أو مرحلة منها، في محطات أو بدايات مثل تذوّقه، هو الشاعر، طعم الهمبرغر لأول مرّة، ثم إمساكه الأول بخصر فتاة، ثم فضوله في مجالسة الصحافيين الأجانب، ثم مجيء دبابات شارون، لكن، فجأة يخطر في الذاكرة مشهد من خارج السياق، وهذا ما يدفع المتذكّر إلى التساؤل» لماذا أتذكّر الآن الصرّاف المتجوّل بشعره الهمجيّ؟ وجه زوج أمّي، وملصق فيلم بورسولينو أند كو».
لكن، إذ تخطئ الذاكرة في إدخال أشياء من عندها، يظلّ ما تأتي به جاريا «في ترتيب مثالي»، كما يقول الشاعر في قصيدة ثالثة، هدير طائرة حربية مباغت، عامل المحطّة يغسل سيارة، سيخ الدجاجات المشوية يدور فوق النار، إلخ. ترتيب مثالي لهذا الذي جُمع في مشهد واحد. لن يكون ذاك صحيحا إن زيد عليه، أو إن نقص منه. هو هكذا، مثاليّ لأنه حقيقي. حقيقي ولم تتدخّل البلاغة في صنعه أو في تجميله، أو بإضافة علامة تعجّب، للمزيد من الاستهجان، إلى الكلمة الأخيرة فيه. لا مكان للبلاغة هنا. لا للكلمات المساعِدة لتأخذ اللغةُ حصتها وافرةً من روعة المشهد. ذاك لأن غرابة ما يتألّف تكفي وحدها. ثم إن وصف الشيء كما هو، أو كما تراه العين، يستبعد التفنّنَ: «عند تخوم القرية، الولد والقنبلة والكلب الواصل للتو، والجرّافة.. إنها اللحظة المناسبة للتصوير». لو لم يصل الكلب في الوقت المناسب، لم يكن ممكنا للصورة أن تكون. كما لم تكن هناك حركة لو كان الكلب حاضرا، جاهزا مسبقا شأن الأشياء التي سبقت حضوره.
هناك دائما خروج عن تجاور المشاهد المتباعدة وذلك عبر تحريك شيء ضئيل، مثل مجيء الكلب متأخرّا. وهذا يحدث في أحيان كثيرة من أجل الخروج عن الوصف العادي للأشياء التي ليس معتادا تآلفها. هناك دائما الكلمة الأخيرة تُكتب لتوقف الإسترسال. فبعد وصف مشاهد مما صنعته الحرب، بتضادّ لا تعمل اللغة على زيادته، ينبثق في آخر المقطع، أو في آخر القصيدة، ما ينقل ما قرأناه إلى الشعر: «وحش يتقدّم عبر الأنفاق والتلال/ طناجر لا تزال تغلي في البيوت المهجورة/ بعد كيلومتر واحد يبدأ أوتوستراد الخميني/عيون ضخمة لا تحتاج وجهاًّ»
أو، كما في قصيدة أخرى:
«تحت تمثال العذراء، المضاءة بلمبات البلدية، تصطف يخوت.. يمرّ مشّاؤون
وفي البعيد يستعدّ مغاوير الجيش للخروج.
الإله في حضن أمّه، يرمقني بنظرة يائسة».
كما يمكن للمشاعر أن تكون على سجيتها، محرّرة من بلاغتها المعتادة، أعني أن تجروء على أن تصف مأوى النازخين من دون أن تتخيّل تعاطفا. هي «رائحة بربرية» تطلع من هناك. «رائحة سميكة كأنها ستأخذ لونا». ولا تخلو من السخرية تلك الجملة التي يُزمع أنها مما يصفون به أنفسهم، «من أجل البقاء، علينا أن نستهلك كمية أكبر من الخيال والبطاطا المقلية».
لكن سيتحوّل الكلام إلى أن يكون عذبا في القصيدة الصغيرة التي بعنوان «لوحة». «البحر كله، نقطة نقطة على لوحتكِ»، أعني خصوصا تلك الكسرة تحت حرف الكاف، تحت الأنتِ، وإن باقيا ذلك في مديح البحر «بفضّته الزرقاء المتحوّلة والخالدة». هي، بيديها، بأصابعها الملوّنة بالأزرق، وضعت في اللوحة مياه البحر كلها، ولا يقتصر ذلك على الآن فهي جلبت العرب والروم من زمنهم إليه. هذه القصيدة هي شيء من الروح الباقية التي لم تستهلكها الحرب، ولا يقلّل من ذلك الكلام الذي ينتهي بـ»ركبتيك المرتجفتين جزعا الآن/ إذ يبدأ صوت الأسلحة».
«ألشمس كلها في وجهي» مجموعة شعرية ليوسف بزي صدرت عن «دار الريّس للتوزيغ والنشر» في 110 صفحات- سنة 2026.

كاتب لبناني

✎

فريق تحرير العرب الاخبارية

فريق التحرير في العرب الاخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق