قضي الأمر، وصرنا في انتظار جولة عسكرية جديدة من حرب أمريكا على إيران، والموعد يحدده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وحسبما يراه في مصلحته الشخصية، وقد لا يكون مستبعدا أن تبدأ الجولة الجديدة قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية أوائل نوفمبر المقبل، وإن كان مرجحا، أن يجعلها ترامب عقب الانتخابات كما أعلن، وماراثون مفاوضات نيويورك، أو تبادلات الرسائل الأخيرة عبر الوسيط القطري، كلها ما زالت مستمرة بغير توقف، لكنها واصلة ـ على ما يبدو ـ إلى الحائط المسدود، بعد أن أعلن ترامب رفضه لخطة الأيام السبعة الإيرانية، ورغبته في الانتقال رأسا إلى مفاوضات الملف النووي، ودفع إيران إلى تقديم تنازلات فيه، خصوصا في بند التخلص من مخزون اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة تفوق الستين في المئة، بينما تبدو إيران راغبة في ترحيل التفاوض حول الملف النووي، والتركيز على فتح مضيق هرمز، مقابل تعهدات أمريكية عاجلة، أولها رفع الحصار البحري والاقتصادي الأمريكي، وفك الحظر على الأموال الإيرانية المجمدة، ووقف الحرب تماما على جميع الجبهات بما فيها لبنان .
والمحصلة ببساطة من التفاوض الجاري، أنه لا اتفاق قريب وارد، وأن التفاوض قد يخلى مكانه لصدام عسكري متجدد، يسميه ترامب ضربة الإبادة، إن تعثرت الصفقة، وقد تتعجله إيران بأكثر مما تريد إدارة ترامب، الذي لا يفضل اشتعال النار الكبرى قبل الانتخابات النصفية، وما قد يصاحبها من ارتفاع مضاف في أسعار المحروقات في الداخل الأمريكي، وبما يساعد أكثر في تحقق توقعات ذهاب أغلبية مقاعد مجلس النواب ومجلس الشيوخ الأمريكيين إلى الحزب الديمقراطي المعارض حاليا للحرب، التي تتدهور شعبيتها في إطراد، وتتهاوى معها شعبية ترامب، الذي لا تقتنع غالبية الرأي العام الأمريكي بترهاته حول انتصاره الساحق، وعن سيطرته الكاملة على مضيق هرمز، وإعادة تدفقات الملاحة البترولية فيه إلى مستويات ما قبل الحرب، فلا أحد هناك في انتظار تصريحاته وهلوساته، وهم يلمسون النار في أياديهم وجيوبهم، وبالذات مع غلاء غير مسبوق في أسعار البنزين والديزل والأسمدة والبتروكيماويات عموما.
في الجولة الحربية المنتظرة، قد يميل ترامب إلى إعادة ما كان في أول حرب السبعة شهور، وأن يعود لشراكة ميدانية رسمية مباشرة مع إسرائيل في الحرب على إيران
وفي الجولة الحربية المنتظرة، قد يميل ترامب إلى إعادة ما كان في أول حرب السبعة شهور، وأن يعود لشراكة ميدانية رسمية مباشرة مع إسرائيل في الحرب على إيران، وبهدف التدمير الشامل وإبادة بنية إيران التحتية المدنية، وتقديم شعار إسقاط النظام الإيراني، الذي يقول بنيامين نتنياهو أنه ممكن، ويسعى لتجنيد الجيوش الأمريكية من أجله مجددا، ويروج لوهم الضعف غير المسبوق للنظام الإيراني، الذي يغرى الأمريكيين وتوابعهم بتكرار المحاولة، والاعتماد على القدرات الأسطورية المنسوبة لجهاز المخابرات الإسرائيلية الموساد في الداخل الإيراني، والثقة في مقدرته على توفير المعلومات المطلوبة لعملية قطع رأس نظام في حالة إنهاك، ثم تكفل جهاز الموساد بالخطوة اللاحقة، ودفع جماهير إيران المعارضة إلى الخروج في ثورة تخلع النظام الإسلامي من جذوره، تماما كما أقنع نتنياهو ترامب في أول الحرب، وجعل له البحر طحينة كما يقول المثل، وصور له أن خطة الإجهاز على إيران لن تستغرق سوى أيام، وظل ترامب يردد الأوهام كالببغاء من وراء نتنياهو، إلى أن غرق في المستنقع الإيراني لأكثر من سبعة شهور حتى الآن، ومن دون أن يسقط النظام الإيراني طبعا، ولا رفعت طهران راية الاستسلام البيضاء .
ونقطة الضعف القاتلة في التصور الإسرائيلي الذي صار أمريكيا، هي أنهم لم يتوقعوا ما جرى من صمود إيراني مذهل، ومن مقدرة القوات المسلحة الإيرانية (الجيش والحرس الثوري) على التخفي بمخزونات المسيرات والصواريخ، وعلى إقامة مدن صاروخية محصنة في بطون الجبال الجرانيتية الصخور، وعلى الاحتفاظ بغالب قوتهم الصاروخية، بل الإضافة إليها بإنتاج جديد، وبتطوير في مديات الصواريخ ودقتها في إصابة الأهداف، سواء بسعي ذاتي تقني متطور، أو بالحصول على تقنيات إضافية من حلفاء إيران في الصين وروسيا، وهو ما حاول ترامب الحد منه في قمته الأخيرة مع الرئيس الصيني شي جين بينج، الذي لا يناقش سلوك الصين العسكري والتقني مع أحد، وصمم على الظهور في صورة القائد العالمي المسؤول المدافع عن القانون الدولي المتحدي لشريعة الغاب الأمريكية، ودعا لوقف الحرب والعودة إلى مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية، التي يصر ترامب على تخطيها، رغم سابقة توقيعه عليها، ويسعى لإرغام طهران على القبول بتفكيك برنامجها النووي بالكامل، وتصفير التخصيب النووي، ونقل مخزون يورانيوم التخصيب العالي إلى خارج إيران، أو تسليمه مباشرة إلى واشنطن .
وما من أحد عاقل متعظ بما كان، يتوقع أن تخضع إيران بالحرب المستعادة أيا كان توقيتها ومهما كانت ضراوتها، والسبب ببساطة، أن شهور الحرب أثبتت قوة ورسوخ نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، وتمتعه بتأييد شعبي غلاب، يظهر كل ليلة في حشود التأييد الحماسية في ساحات وميادين مدن إيران الكبرى، وهذا هو الركن والسند الجوهري، الذي لم يهزه قطع رأس المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في أول ساعات الحرب صباح 28 فبراير2026، وإلى أن جرى على وجه السرعة إحلال المرشد الجديد مجتبى خامنئي، وإحلال عشرات القادة العسكريين الجدد كبدلاء للذين اغتيلوا مع السيد علي خامنئي، إلى أن بدت النسخة الجديدة من النظام أكثر ثباتا وتشددا، بل إن تبديل المرشد بالذات، وإحلال مجتبى الأصغر سنا (56 سنة) محل الأب الراحل في سنته السادسة والثمانين، جعل رأس النظام أكثر جرأة ومخاطرة، وعلى نحو ما يدل عليه البيان الأخير المكتوب للمرشد مجتبى المتواري عن الأنظار، ودعوته لمطاردة سفن البحرية الأمريكية من بحر العرب إلى المحيط الهندي، وهو ما بدا كقول جدي غير معلق في هواء، وقدم الحرس الثوري الإيراني دليلا مضافا على إمكانيته، عبر الإعلان عن سيطرته على غواصة أمريكية مسيرة ذاتية التشغيل من طراز ريموس 600، وهي من مفاخر التكنولوجيا الأمريكية، وتمسح قاع البحر على عمق 600 متر، وقد اصطادتها بحرية الحرس الثوري من أعماق مضيق هرمز بعملية إلكترونية بالغة التعقيد، تكررت للمرة الثانية، إضافة لإسقاط نحو 50 طائرة أمريكية مسيرة من طراز إم كيو.9 وإم كيو .1، تتكلف الواحدة منها أكثر من ثلاثين مليون دولار. وعمليات اصطياد الغواصات المتطورة تفوق في مغزاها المعنى الحربي المباشر، فهي تثبت ـ أولا ـ عقم وكذب التصريحات الأمريكية حول القضاء الكلي على قدرات البحرية الإيرانية، والأهم أنها تبدو كصيد لغنيمة تكنولوجية كبرى لإيران، التي لديها تاريخ طويل من عمليات الهندسة العكسية وصناعة بدائل تخصها، ولا مانع عند إيران ـ بالطبع ـ من مشاركة الأسرار التكنولوجية الأمريكية مع الحلفاء الروس والصينيين، ومقابل ما قدمه الحلفاء لإيران من صور الأقمار الصناعية والإحداثيات الدقيقة لعمليات ضرب وتدمير القواعد الأمريكية بالمنطقة، وتزويد إيران بتقنيات فرط صوتية للصواريخ الجوالة كروز، بما مكن إيران من استهداف قطع بحرية أمريكية بالقرب من سواحلها، إضافة لما تملكه إيران بالفعل من صواريخ باليستية بالغة التطور والمقدرة التدميرية، وعلى نحو ما احتفي به التلفزيون الصيني، الذي أذاع مؤخرا فيديو قصيرا مدته 287 ثانية، عرض صورا نادرة عن الدمار المرعب الذي لحق بكيان الاحتلال بسبب الضربات الصاروخية الإيرانية السابقة، وهي الضربات المرشحة لاستئناف أقوى مع جولة الحرب الجديدة المنتظرة، بعد أن توقفت إيران طويلا عن ضرب كيان الاحتلال، وتركت له فرص الاستفراد والتوحش والإبادة في غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان، وفي قلب المسجد الأقصى المبارك، ومن دون تحسب أو تخوف من ردود عقابية لا تأتي من أي طرف عربي أو إسلامي، ولا حتى من النوع اللين الهين الذي تقدم عليه حكومات أوروبية في الأسابيع الأخيرة .
وتبدو إيران في وضع أكثر استعدادا لملاقاة عدوها الأمريكي الإسرائيلي في الجولة المنتظرة، وهي لن تقدّم على الأغلب أي تنازلات مطلوبة أمريكيا في الملف النووي، وعينها على الحرب المتجددة، وتسعى لإلحاق أذى وخسائر أكثر تدميرا بالقواعد الأمريكية في المنطقة، وبقواعد أمريكا في إسرائيل أيضا، وليس لدى طهران الكثير لتخسره، بعد أن اشتد عليها الخناق الاقتصادي، وتقييد حركة طيرانها المدني، بما يضيف إلى دواعيها في الانتقام العسكري، وعلى نحو قد يتجاوز مصالح عدوها الأمريكي الإسرائيلي المباشر، ويحرق المنطقة كلها، من مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب، وعلى طريقة ياروح ما بعدك روح .
كاتب مصري
- أيها السوريون: لا تجدعوا أنوفكم نكاية بوجوهكم!
- مع محاكمة نشطاء التضامن مع فلسطين “أولم 5″… ألمانيا تبدو دولة بوليسية أكثر فأكثر
- وزير فرنسي: أكثر من 5000 معتقل خلال احتجاجات المدارس هذا الأسبوع
- أكثر من 100 ألف مهاجر قانوني في أمريكا يفقدون تغطية الرعاية الصحية
- إيطاليا تخطف تعادلا ثمينا على أرض فرنسا بدوري الأمم الأوروبية

















0 تعليق