جبرا إبراهيم جبرا وبلند الحيدري… الاغتراب وتجديد التعبير الأدبي

منذ ساعة

سامر أبو شندي

تعني كلمة جبرا في اللغة الآرامية، الشدّة والبأس، فيما تعني كلمة بلند باللغة الكردية الشموخ، كان لكليهما من اسميهما نصيب كما سوف نرى.
جمعت بين جبرا إبراهيم جبرا وبلند الحيدري تجربتان أدبيتان مختلفتان، تقاطعتا عند أسئلة الاغتراب والتجديد الفني. فقد ترك اقتلاع جبرا من فلسطين عام 1948 أثرا عميقا في أعماله الروائية والنقدية، بينما ارتبطت تجربة الحيدري الشعرية بمراحل من التشرد والغربة داخل العراق وخارجه. وأسهم الاثنان، كل بطريقته، في تحولات الأدب العربي الحديث، وانفتحا على الفنون البصرية بوصفها مصدرا لتطوير أدوات التعبير. وإذا كان جبرا قد جمع بين الرواية والشعر والترجمة والنقد الفني، فإن الحيدري اهتم بالعلاقة بين الصورة الشعرية والتشكيل البصري للقصيدة. ومن خلال هاتين التجربتين، يمكن تتبع أثر الاغتراب في الكتابة، وصلته بالبحث عن أشكال جديدة للتعبير الأدبي.

جبرا ابراهيم جبرا:
نشأ نشأة قاسية بحكم الظروف التي مرت بها المنطقة وتبدل السيادة من عثمانية إلى بريطانية في سنوات نشأته الأولى. ومن بيت لحم ينتقل إلى القدس يافعا، حيث تعلم اللغة الإنكليزية وأجادها وبعد محطات القدس ومدرستها الرشيدية ينتقل لتعلم الأدب الإنكليزي في كل من جامعة كامبريدج وجامعة هارفارد.
تترك ذكرى الهجرة من فلسطين والاستقرار في العراق بعد عام 1948 الأثر الكبير في نفسه وتتمحور حول الهجرة تلك معظم أعماله الروائية، كما كانت له بصمتة الأكاديمية من خلال التدريس في الجامعات العراقية، وبصمة فنية من خلال التأثير على حركة الفن التشكيلي في العراق، باعتباره أيضا رساما وناقدا سينمائيا.

تناول الناقد إبراهيم خليل، في كتابه «الناقد وعالمه» الصادر عام 2018 عن دار أمواج في عمّان، تجربة جبرا إبراهيم جبرا النقدية، مشيرا إلى أن الدراسات لم تمنحها ما تستحقه من اهتمام. ويربط خليل تكوين جبرا النقدي بتعدد اهتماماته الأدبية والفنية، بوصفه روائيا وشاعرا ومترجما وناقدا مطلعا على المناهج الغربية. وقد أسهم هذا التنوع في توظيف مفاهيم مثل الوحدة العضوية والمونولوج الدرامي والمونتاج والرمز والتضمين في قراءاته للأعمال الأدبية.
ويلاحظ خليل أن نقد جبرا لم يستقر على منهج واحد؛ فقد جمع بين الاستجابة الانطباعية للنص والاستفادة من الاتجاهات الشكلية والأسطورية والتأويلية وغيرها. وأتاح له هذا الانفتاح مقاربة الأعمال الأدبية من زوايا متعددة، وإن كانت بعض أحكامه، بحسب قراءة خليل، تميل إلى الانطباع والتسرع، ولا تستند دائما إلى تحليل تفصيلي.
وحول نتاجه كروائي اشتهر له: رواية «السفينة» 1970 و»البحث عن وليد مسعود» 1978 و»عالم بلا خرائط» 1982 بالاشتراك مع عبد الرحمن منيف.
ولديه أعمال روائية أقل شهرة منها: «صراخ في ليل طويل» 1955، «صيادون في شارع ضيق» بالإنكليزية 1960 «الغرف الأخرى» 1986.
وسأتناول بشيء من التفصيل ما جاء في كتابات الناقد أسعد محمد علي حول رواية «البحث عن وليد مسعود» حيث يشير إلى التكوين الموسيقي والتنويعي، حيث أشار إلى تعدد الأصوات في الرواية في المونولوج الطويل، الذي تركه شريط آلة التسجيل في السيارة، حيث يمثل هذا المونولوج اللحن الرئيسي الذي تكرر باختلاف بسيط في أرجاء الرواية، وإلى جانبه الأصوات الفرعية وهي أصوات الأبطال الذين يمثلون لحنا فرعيا مرافقا للحن الأصلي. أما من حيث الزمن فيصنف الناقد شجاع مسلم العاني في كتابه «البناء الفني في الرواية العربية» في العراق والصادر عن دائرة الشؤون الثقافية العامة ـ بغداد، يصنف البناء الزمني للرواية بأنه الزمن الحلزوني الذي يبدأ من نقطة ويسير إلى الأمام ثم يعود إلى النقطة نفسها مجددا، ثم يسير ويعود إليها وهكذا، والغاية منه تكثيف حادثة النكبة والهجرة من فلسطين في عام 1948 في ذهن القارئ. وتبقى فلسطين حاضرة في وجدان جبرا وتطفو على سطح البحث عن وليد مسعود، متحدثا عن مدينته بيت لحم (( كانت البلدة تلبس المطر كما تلبس الثكلى ثياب الحداد، رايتها تتلألأ كجوهرة… رايتها يوم 7 حزيران ومدافع إسرائيليين تدك منازلها)) ويقصد جبرا 7 حزيران/يونيو عام 1967.

بلند الحيدري
وُلد في بغداد عام 1926 لأسرة ميسورة، والدته هي فاطمة بنت إبراهيم أفندي الحيدري، وجده كان يشغل منصب شيخ الإسلام في إسطنبول، ومستشاراً شرعياً في نظارة الدفتر الخاقاني، وهو من أصول كردية. يقول بلند الحيدري إنه شعر بالشيخوخة باكرا عندما فقد والدته في سن مبكرة، وعندما غادر منزل العائلة وترك الدراسة وهو في المرحلة المتوسطة. لكنه تحدى الصعاب والتشرد والاعتقال، وواصل تثقيف نفسه بنفسه. توفّي والده بعد ذلك فعاش التشرد بين المدن الكردية: أربيل ودهوك والسليمانية.
تقول الشاعرة والناقدة الكويتية تهاني فجر، إن بلند الحيدري «من الرواد القلائل الذين أبحروا نحو مرفأ حداثي مغاير، منذ ديوانه الأول (خفقة الطين)، ثم بدايته الحقيقية في ديوانه الثاني (أغاني المدينة الميتة) 1951 الذي شكل انعطافة مهمة في تاريخه الشعري، وفتح آفاقاً جديدة للقصيدة العربية الحديثة». لم يلقَ إنصافاً من النقاد في وطنه، لكن الناقد اللبناني مارون عبود أنصفه وقال في شعره: «نموذج لشعر الشباب الذي كانت بغداد تحلم به». كان الحيدري يردد دائماً بأنه عاش الغربة في الوطن ولم يعشها في الخارج. في 1965 أصدر ديوان «خطوات في الغربة»، تلك الغربة التي تفرض ملامحها في كل نتاجه الشعري وتفيض بها أحاديثه. بعد سنتين، انتقل إلى لبنان ليجد في الغربة وطناً جديداً حيث استقرّ في بيروت («أم الغريب» كما يحلو لأهلها أن يسموها) وعن تجربته فيها يتحدث شاعرنا عن احتضان الوسط الثقافي له ولأسرته، ويخص بالذكر فؤاد الحسن، الذي جاء له بنصف أثاث منزله، ونزار قباني الذي ساعده في إيجاد وظيفة، وكذلك منير البعلبكي الذي لم يبخل بالعون في إيجاد مسكن مناسب. يعمل في البداية مصححاً في «دار الحياة»، ثم مشرفاً على «الدار العصرية»، وهو العمل الذي أعطاه الشاعر أدونيس إلى بلند بعد أن وجد أدونيس لنفسه عملاً آخر. ومن منفاه الاختياري أصدر عام 1971 «أغاني الحرس المتعب».
أما ما تفرد به الحيدري في شعره فهو ما عرف بـ»تشكيل القصيدة»، ويتمثل في أنه يقوم على حركة داخلية تجعل من الشكل والمحتوى وحدة واحدة، وأن تلك الحركة تتولد من الصورة الشعرية، ومن تداخل الصور بالإضافة إلى حركة الإيقاع. ارتقت الصورة عنده من كونها عنصراً إضافياً تزيينياً إلى عنصر بنائي مكوّن يوازي العنصر الإيقاعي، ويشارك في عملية السحر الشعري. ومن مركزية الثقافة الأوروبية يقتبس ثقافة لونية وبصرية ثاقبة يوظفها نصيا، تولد عن ذلك تعاونه مع الفنان التركماني الأصل (المولود في أنقرة) العراقي الجنسية جواد سليم رائد الفن التشكيلي في العراق، وتتولد عن هذا التعاون بين اللون الجوادي والحرف الحيدري قصيدة «رباعيات بغداد» وتتكرر تلك الثنائية، لكن هذه المرة بين بلند الحيدري والرسام خالد الرحّال فتنتج قصيدة (النهر الأسود) لكن ذروة تأثره بالفن التشكيلي الأوروبي ظهر في «القصيدة البرقية» التي تعطي أقصى تعبير بأقل قدر من الكلمات أسوة بالفن التشكيلي الأوروبي، الذي يقوم على الاختزال من خلال استعمال أقل قدر من الخطوط وأقصى درجات التعبير، وبالنتيجة أضفى الحيدري ما سمي بعدا ثالثا للقصيدة، متمثلا بالقيمة المنظورة للقصيدة ومن هنا كتب الحيدري اسمه في سفر التفرد من خلال ابتداعه ما يسمى «بتشكيل القصيدة» على ما سلف ذكره وذلك حسب الناقد علي محمد خضير.
كل تلك التراكمات الكمية والنوعية تولد عنها تأليف بلند الحيدري كتابه الشهير بعنوان «زمن لكل الازمنة» عام 1981 صدر في بيروت عن دارسات العربية والنشر، والذي يعتبر مرجعا مهما للمشتغلين بالفن التشكيلي ويحوي صورا ولوحات وزخرفات فريدة.

تكشف تجربتا جبرا إبراهيم جبرا وبلند الحيدري عن مسارين مختلفين في الأدب العربي الحديث، جمع بينهما الاغتراب والانفتاح على الفنون الأخرى. فقد انعكست تجربة فقدان الوطن في كثير من كتابات جبرا، بينما اتخذت الغربة عند الحيدري أبعادا شخصية واجتماعية ظهرت في شعره وتحولاته الفنية. وعلى اختلاف منجزهما، أسهم انفتاحهما على الرسم والفنون البصرية في توسيع أدوات التعبير، سواء في بناء الرواية والصورة الأدبية لدى جبرا، أو في التشكيل الشعري عند الحيدري. ومن هذا التقاطع تتضح قيمة المقارنة بين تجربتين لم تتطابقا، لكنهما التقتا في البحث عن أشكال جديدة للكتابة.

كاتب من الأردن

✎

فريق تحرير العرب الاخبارية

فريق التحرير في العرب الاخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق