الفلسطينيون في موسم قطف الزيتون… لقم مغمسة بالدماء

منذ 2 ساعة

الضربة الأخيرة تلقاها ي. في هذا الأسبوع قبيل بدء موسم قطف الزيتون. اقتحم المستوطنون حقوله في قرية في وسط الضفة الغربية واقتلعوا أشجار الزيتون. هذا الأمر يتكرر منذ سنوات، لكن ي. يرفض التأقلم معه. “لا أفهم كيف يمكن لشخص أن يقتلع أشجار الزيتون هكذا. هل تريد الاستيلاء على الأرض؟ اترك الزيتون. ولكنه يعرف أين يؤلمنا”، قال ي. وأضاف بأنه يتذكر الأيام الخوالي.

كانت حقوله التي تضم 4 آلاف شجرة زيتون مصدر فخر له. “بالضبط مثل أولادنا وأحفادنا. كنا نأكل ونطبخ تحت الشجرة. وحتى المستوطنون الذين كانوا يعيشون قربنا كانوا يأتون ويساعدونا في قطف الزيتون”. قال. على مر السنين جاء جيران آخرون، واليوم بقي في الحقل حوالي ألف شجرة فقط. وحسب قول ي. فإن أساس العمل قام به مستوطن واحد أقام بؤرة استيطانية قرب المكان قبل بضع سنوات. “هذا الحقير دمر حياتنا. لقد سلبنا كل سبل العيش ولا مكان نذهب إليه، نحن مثل الأموات – الأحياء”.

مثل ي.، يمر الكثير من المزارعين في الضفة الغربية في هذه الأيام بمشاعر مختلطة. فخلافاً للسنة الماضية، أشجار الزيتون في هذه السنة محملة بالثمار. والسبب ظاهرة المعاومة، حيث تثمر الشجرة بغزارة في سنة، ويقل المحصول في السنة التالية. وربما تكون سنة 2026 سنة جيدة، إذ تتوقع وزارة الزراعة الفلسطينية أن يتضاعف محصول الزيتون ويزيد ويصل إلى حوالي 125 كغم للدونم.

مع ذلك، لم يعد حجم المحصول هو العامل الوحيد الذي يحدد مصير الموسم. فتقليدياً يعتبر موسم قطف الزيتون أيضاً ذروة عنف المستوطنين، وكانت أيام القطف السابقة، في خريف السنة الماضية، الأكثر عنفاً المسجلة في الضفة الغربية في العشرين سنة الأخيرة، منذ بدأت الأمم المتحدة في رصد عنف المستوطنين. وقد وثق مكتب الأمم المتحدة “أوتشا” 364 حادثة عنف بين تشرين الأول ومنتصف تشرين الثاني الماضي، وشملت هذه الأحداث هجمات شنها المستوطنون مثل إحراق ممتلكات وحقول وسرقة وقتل حيوانات واقتلاع أشجار.

شهدت الأشهر الأولى في 2026 أكثر من 1600 حادثة للمستوطنين ضد الفلسطينيين، أدت إلى إصابات جسدية أو تخريب للممتلكات، مقارنة مع أكثر 1800 حادثة في السنة الماضية كلها. وكان ذلك قبل بداية موسم قطف الزيتون. وحسب مكتب “أوتشا” فإنه منذ موسم القطاف السابق في تشرين الأول 2025 وحتى أيلول الماضي، تم اقتلاع حوالي 28 ألف شجرة وشتلة فلسطينية، معظمها من أشجار الزيتون، في الضفة الغربية في أحداث نسبت للمستوطنين.

في الوقت نفسه، ثمة نشطاء إسرائيليون ينضمون بالعادة للقاطفين تضامناً معهم، يظهرون الحذر من ممارسات الجيش المتواصلة منذ فترة طويلة: إصدار أوامر إغلاق وقائية بحجة منع الاحتكاك وحماية الفلسطينيين من هجمات المستوطنين أثناء قطف الزيتون.

عملياً، يسمح إصدار هذه الأوامر من قبل الجيش بمنع النشطاء من الوصول إلى حقول الزيتون. وقد أصدر الجيش في موسم القطاف السابق نحو 22 أمراً كهذا. وفي كانون الثاني الماضي، قضت المحكمة العليا بأن يقتضي استخدام الأوامر الوقائية وجود دليل على نية النشطاء الإخلال بالنظام العام، مع التأكيد على أن احتمالية حدوث احتكاك لا تبرر استخدام هذه الأداة.

يعدّ فرع الزيتون المصدر الرئيسي للدخل لأكثر من نصف مليون فلسطيني من سكان المناطق الريفية في الضفة الغربية، حسب بيانات الإدارة المدنية. وقد زاد اعتمادهم على الزراعة منذ اندلاع الحرب، نتيجة الصعوبات الاقتصادية الشديدة: فقد ألغت إسرائيل معظم تصاريح العمل الصادرة للعمال من الضفة الغربية، وتحتجز وتخصم مليارات من أموال الضرائب الفلسطينية. وقد أوصلت هذه الإجراءات السلطة الفلسطينية ومواطنيها إلى حافة الانهيار.

مع ذلك، دفع الخوف من المستوطنين وقلة محصول الزيتون في السنة الماضية، الكثير من السكان إلى التخلي عن الذهاب إلى الحقول. ويزيد ازدياد عدد المستوطنات والبؤر الاستيطانية من الأخطار هذه السنة. ولكن تقييم الربح يختلف أيضاً – وتزداد أهميته في ظل الفقر والبطالة. وقد تبشر الأمطار الأولى التي ستغسل الغبار عن الزيتون ببداية موسم القطاف، حيث سيبدأ الموسم في الأيام القريبة القادمة.

في غضون ذلك، المستوطنون يستعدون. في الأسبوع الماضي، أفاد سكان من الخليل حتى شمال الضفة الغربية بسرقة المستوطنين للزيتون من الحقول، أيضاً تم توثيق اقتلاع الأشجار. اثنان من البلاغات وصلا من المنطقة “أ” المحظور على الإسرائيليين دخولها بموجب القانون. وفي الوقت نفسه، يواصل المستوطنون في عدة مناطق في الضفة الغربية التعدي على حقول الزيتون الفلسطينية لرعي أغنامهم، ما يلحق الضرر بالأشجار والمحاصيل.

اقتلاع الأشجار، الطرد والاستيلاء

لا يزور الكثير من أصحاب حقول الزيتون أراضيهم إلا مرة أو مرتين في السنة. والسبب، أن الإجراءات الأمنية في الضفة الغربية تقيد وصول الفلسطينيين إلى الأراضي القريبة من المستوطنات. حول البؤر الاستيطانية، حيث لا قيود عسكرية رسمية، يقوم المستوطنون أنفسهم بأعمال الردع، وغالباً ما يكونون مسلحين. في كل سنة عندما يزور أصحاب الحقول حقولهم لقطف المحصول يكتشفون أن المستوطنين قد اقتلعوا الأشجار أو ألحقوا الضرر بأراضيهم.

في السابق، كانت هذه الظاهرة تميز الأراضي الزراعية في المنطقة “ج” بشكل رئيسي. ولكن في ظل الحكومة الحالية تغيرت خريطة الضفة الغربية. فقد أنشئت أكثر من 30 بؤرة استيطانية في المنطقة “ب”، حيث تتركز السلطة المدنية في يد السلطة الفلسطينية. 12 من بينها أقيمت منذ بداية هذه السنة. وحسب اتفاق أوسلو، يفترض ألا يسكن الإسرائيليون في هذه المناطق، لكن المستوطنين يرسخون تواجدهم فيها بالتدريج، بتشجيع من الحكومة وبحماية الجيش. وكان امتداد العنف إلى المنطقة “ب” من أبرز ظواهر موسم قطف الزيتون السابق.

في الوقت نفسه، توسع التواجد الاستيطاني في المنطقة “ج” أيضاً: فقد وافقت الحكومة على شرعنة 104 بؤرة استيطانية، إضافة إلى 127 مستوطنة كانت موجودة بالفعل في الضفة الغربية عندما تولت مهامها، وإلى جانبها تنتشر أكثر من 300 بؤرة استيطانية أنشئ أكثر من نصفها خلال الحرب.

وتظهر البيانات أن البؤر الاستيطانية والعنف متلازمان، وأن انتشارها يوسع نطاق الهجمات؛ اليوم أصبح الكثير من الأراضي الفلسطينية مرئية من مواقع متقدمة على تلة قريبة، أقيمت بعض هذه المواقع الجديدة فوق التلال كجبهة هجومية مخصصة استعداداً لموسم قطف الزيتون السابق، ولكن لم يتم تفكيكها بعد ذلك. ومع مرور الوقت، استقرت هذه المواقع وترسخت.

تجسد المنطقة الواقعة بين قريتي المغيّر وأبو فلاح من جهة، وقرية ترمسعيا (التي شهدت ذروة الهجمات في موسم القطاف السابق) هذا التوجه بوضوح. هناك الآن ليس أقل من 4 بؤر استيطانية بين المستوطنات الثلاث الواقعة في المنطقة “ب”. وأصبحت الهجمات على سيارات الفلسطينيين التي تسافر على الطرق التي تربط بينها أمراً معتاداً.

حتى إن الذهاب إلى كروم العنب في المنطقة المفتوحة التي تطل عليها البؤرة الاستيطانية ينطوي على خطر حقيقي

وقد تعلم السكان هذا الدرس بطريقة قاسية. ففي ليلة إقامة بؤرة استيطانية جديدة أطلق عليها اسم “تلة المثلث” قرب قرية أبو فلاح، قتل فلسطينيان من القرية بالرصاص، وتوفي ثالث بعد استنشاقه للغاز المسيل للدموع. كان هذا في بداية آذار الماضي. وفي حزيران، هاجم مستوطنون الفلسطينيين ونشطاء حقوقيين كانوا يرافقونهم إلى حقول الزيتون الخاصة بهم، أيضاً في المنطقة “ب”. وقال أ. وهو أحد سكان القرية لـ “هآرتس”، في حينه: “تبعد البؤرة الاستيطانية 400 متر عن البيوت. يكفي أن يبتعد الشخص 50 متراً عن بيته باتجاه البؤرة حتى يتعرض للهجوم”. وحسب قوله، يخشى كثير من سكان المنطقة الاقتراب من الأراضي وحدهم، وهم ينتظرون وصول نشطاء حقوق الإنسان. ولكن حتى ذلك لا يكفي في الغالب. “جئنا لإزالة الأعشاب الجافة حتى لا تندلع الحرائق، فجاء المستوطنون مكشوفي الوجوه وحاولوا طردنا. قلنا لهم إنها أرضنا ومسجلة باسمها وإننا نفلحها. بعد ذلك، نزل حوالي 20 مستوطناً ملثماً من التلة وبدأوا برشق الحجارة علينا ورش غاز الفلفل”، قال.

في الليالي في أعقاب هذه الحادثة، سمع أ. وجيرانه المستوطنون وهم يقطعون الأشجار. وقدم أ. شهادته عن سرقة من مزارع وبيوت السكان. وقال: “نتصل بقوات الأمن في كل مرة ولكنهم لا يستجيبون. منذ بدء قضية هذه البؤرة الاستيطانية قدمنا نحن السكان 42 شكوى للشرطة وأرفقناها بوثائق الملكية، رغم أن المنطقة “ب” تعتبر أرضاً فلسطينية بحكم تعريفها. ومع ذلك، لم يتخذوا أي إجراءات. لم تكتف الشرطة بإبقاء البؤرة الاستيطانية على الأرض، بل أقامت بؤرة جديدة في مكان شديد الخطورة قرب مدرسة البنين في شرق القرية. مر شهران وما زال العنف والمضايقة مستمرين يوميا”.

وقد أجرت منظمة “كرم نبوت” مؤخراً مسحاً للوضع في المنطقة ووجدت أنه إضافة إلى تدمير عشرات آلاف أشجار الزيتون في المنطقة بين قرى أبو فلاح والمغير وترمسعيا، تم اقتلاع عشرات آلاف الأشجار أيضاً في وادي “شيلو” في السنة الماضية. وقد نفذت عمليات الاقتلاع في وادي “شيلو” ليلاً، بجهود متواصلة وممنهجة وبمساعدة الجرافات. وكانت هذه التحركات تجري في المناطق الواقعة بين المنطقة الصناعية لمستوطنة “شيلو” وبؤرة “مغين بنيامين” الاستيطانية – التي أقيمت في المنطقة “ب” قبل موسم قطف الزيتون السابق – وبؤرة “حفات شومري هعيمق” الاستيطانية. وأوضح متحدث باسم الجيش الإسرائيلي رداً على أسئلة متكررة من “هآرتس” بأنه لا توجد أي نشاطات عسكرية في المنطقة. ولكن عمليات الاقتلاع استمرت. بعد ذلك، قام المستوطنون بحراثة المنطقة وبدأوا بفلاحة الأرض، مستولين على عشرات الدونمات من الأراضي الفلسطينية الخاصة.

متان غولان

هآرتس 2/10/2026

✎

فريق تحرير العرب الاخبارية

فريق التحرير في العرب الاخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق