سد النكبة

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

تتسم الدبلوماسية المصرية بخبرة واسعة فى معالجة النزاعات المعقدة التى تنشب من حين إلى آخر فى الشرق الأوسط وفى القارة الإفريقية. فقد خاضت هذه الدبلوماسية العريقة معارك شائكة من أجل حسم مشكلات مستعصية كانت خليقة بأن تُفضى إلى كوارث جمة فى أماكن نشوئها لولا وساطة الدبلوماسية المصرية فيها ودورها الحيوى فى فض النزاعات والحروب ودعوة المتخاصمين للحوار.

والمرء ليحير حقًا أمام مشكلة كَأْدَاء تشغل الرأى العام كله ولا يكاد يمضى يوم دون أن نقرأ بشأنها تحليلًا يسعى إلى دراسة الاحتمالات المتاحة أمام الدبلوماسية المصرية لحل مشكلة سد النهضة فى وقت تُصر فيه إثيوبيا فى عناد لا نظير له على تنفيذ الملء الثانى للسد، والسير قدمًا فى إنجاز المشروع مهما بلغت فداحة الأضرار التى سيجرها على السودان ومصر. ولم يعد خافيًا على أحد أن الدبلوماسية المصرية قد حطمت رقمًا قياسيًا فى سياسة ضبط النفس وفى تجسيد القيم الحضارية الأصيلة التى يرتكز عليها القانون الدولى والعرف والأخلاق، وبخاصة حينما يتعلق الأمر بالعلاقات بين الدول والشعوب التى ترتبط فيما بينها بروابط تاريخية وجغرافية واقتصادية.

ومن ناحية أخرى لا يفتأ المرء أن يتعجب بشدة أمام العناد الإثيوبى الذى لم تفلح كل الوسائل الدبلوماسية فى التخفيف من حدته، بل لم يكترث ألبتة لبيان الإدارة الأمريكية على لسان وزير خزانتها فى العام الماضى، حينما انتقد بشدة الحكومة الإثيوبية فى تعنتها وتهربها من أى التزام قانونى. ولئن كانت أقلام عديدة تشير إلى تضاؤل فاعلية الحل الدبلوماسى وترى فى الحل العسكرى حلًا ناجعًا بعد أن بات يقينيًا أن مصر هبة النيل لن تفرط فى نقطة مياه واحدة من نصيبها فيه لأن قضية المياه بالنسبة لها تعد قضية وجود، فإن وضع رؤية مستقبلية لتطورات الأزمة يقتضى التفكير العميق فى علامات الاستفهام الخاصة بالموقف الإثيوبى وتحديه الصارخ للقانون والأعراف الدولية دون اكتراث حتى لمصالح دول الجوار.

ولعل السؤال المحورى هنا هو: ما هى القوى التى يعتمد رئيس الوزراء الإثيوبى على مساندتها له فى حالة إذا لم يعد أمام مصر والسودان مفر من اللجوء إلى الحل العسكرى؟ لقد راود هذا السؤال كثيرًا من الباحثين. والتقت إجاباتهم كلها تقريبًا فى تحديد هذه القوى بالدول التى تساهم بصورة أو بأخرى فى بناء السد أو ستستفيد منه استفادة جمة فى استثماراتها ومصالحها، مثل الصين وتركيا وبعض الدول العربية.

ولا يمارى أحد فى أن أهم المستفيدين من بنائه هو إسرائيل. لماذا؟ لأنها أولًا تعانى من نقص شديد فى موارد المياه لديها، وبخاصة فى بحيرة طبريا التى تغذى مستوطناتها بالمياه فى الأراضى المحتلة. إذ تقول بعض المصادر إن إسرائيل تحتاج إلى أكثر من 600 مليون متر مكعب من المياه سنويًا لضمان إعاشة مستوطناتها المتزايدة، وأنها ستعانى من أزمة اقتصادية واجتماعية خطيرة لن تتمكن من مواجهتها إن لم تدبر حلًا عاجلًا يضمن لها مصدرًا مستديمًا للمياه. وهى بطبيعة الأمور لن تجد حلًا أفضل من إشعال نزاع بين مصر وإثيوبيا حول سد النهضة وخلق وجود لها فى إثيوبيا تتمكن بواسطته من تحقيق الحلم الكبير الذى لم يفتأ يداعب مخيلتها منذ الأزل، ألا وهو فتح الطريق أمام جزء من مياه النيل إلى الأراضى المحتلة.

وثانيًا لأن تثبيت وجودها فى إثيوبيا سيمكنها من تقوية علاقاتها بالدول الثلاث: إثيوبيا وإريتريا وجيبوتى، فتستطيع بذلك تفجير النزاعات الإقليمية فى البحر الأحمر، والظفر بنفوذ وثقل لا يُستهان بهما فى منطقة استراتيجية مهمة. حينما دُعى بنيامين نتنياهو لزيارة إثيوبيا فى شهر يوليو عام 2016 إبان افتتاح المرحلة الأولى من بناء سد النهضة ألقى خطبة أعلن فيها تأييده الكامل لمشروع سد النهضة من أجل الاستفادة من موارده المائية، كما زودت إسرائيل إثيوبيا بنظام من الصواريخ لحماية السد لعلمها أن سد النهضة سيكون لدول الجوار سدًا للنكبة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق