ليبيا: قوانين انتخابية جديدة تفجر خلافاً بين مجلسي النواب والدولة حول اتفاق «4+4»

منذ ساعة

طرابلس – «القدس العربي»: دخل المسار السياسي الليبي منعطفاً جديداً بعد إصدار مجلس النواب حزمة من القوانين والقرارات الانتخابية استناداً إلى اتفاق «4+4» الموقع في طرابلس نهاية أغسطس الماضي، في خطوة نقلت التفاهمات التي توصل إليها الاجتماع المصغر من مستوى الاتفاق السياسي إلى نصوص تشريعية، لكنها سرعان ما واجهت رفضاً من المجلس الأعلى للدولة، الذي اعتبر أن اعتماد هذه القواعد بصورة منفردة لا يستوفي المسار الدستوري والمؤسسي المطلوب.

وأصدر مجلس النواب القانون رقم 4 لسنة 2026، المعدل لبعض أحكام القانون رقم 28 لسنة 2023 بشأن انتخاب رئيس الدولة، محدداً مدة لا تتجاوز 24 شهراً لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المتزامنة، تبدأ من تاريخ تشكيل سلطة تنفيذية واحدة تتولى الإشراف على الانتخابات.
وينص القانون على إجراء الانتخابات الرئاسية بنظام الجولتين، على أن تلغى الجولة الثانية إذا حصل أحد المرشحين في الجولة الأولى على الأغلبية المطلقة بنسبة 50% زائد صوت واحد.
وأبقى التعديل على واحدة من أكثر القضايا إثارة للخلاف خلال السنوات الماضية، إذ سمح لمزدوجي الجنسية بالترشح للرئاسة، شريطة أن يتخلى الفائز عن جنسيته غير الليبية قبل أداء اليمين الدستورية، كما سمح للعسكريين بالمشاركة في الانتخابات، مرشحين وناخبين، على أن يتقدم العسكري الفائز باستقالته من الخدمة قبل أداء اليمين.
وفي الحالتين، ينص القانون على أن يحل الفائز التالي محل المرشح الفائز إذا لم يلتزم بالشرط المطلوب.
وفي الجانب المتعلق بالانتخابات البرلمانية، أصدر مجلس النواب القانون رقم 3 لسنة 2026 الذي يجمد العمل بالقانون رقم 27 لسنة 2023 بشأن انتخاب مجلس الأمة، ويعيد العمل بالقانون رقم 10 لسنة 2014 الخاص بانتخاب مجلس النواب في المرحلة الانتقالية إلى حين صدور الدستور الدائم.
كما يمنح مجلس النواب المنتخب مهمة معالجة المسائل المرتبطة بالدستور الدائم، ويتيح للأحزاب السياسية خوض الانتخابات من خلال مرشحين أفراد في جميع الدوائر الانتخابية.
وامتدت التغييرات إلى الجهة التي ستتولى إدارة الاستحقاق الانتخابي، إذ عدل القانون رقم 5 لسنة 2026 أحكام قانون إنشاء المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ونص على أن يتكون مجلس المفوضية من رئيس ونائب رئيس وسبعة أعضاء متفرغين، مع اشتراط الحياد وعدم الانتماء إلى أي حزب أو كيان سياسي.
كما اشترط حصول المرشح للرئاسة على تزكية غير متكررة من 20 ألف ناخب مسجل من مختلف أنحاء ليبيا، ونظم مسار الطعون الانتخابية وحدد المدد والإجراءات المتعلقة بها.
وبالتوازي، أصدر مجلس النواب قراراً بشأن إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، برئاسة ضوء إبراهيم الهمالي عطية، وعضوية علي الطايع عبد الجواد، وهيثم علي الطابولي، وعلي أبو صلاح، وسناء الليشاني، وبيديوي محمد بيديوي، وعلي مفتاح المبروك.
ويستند القرار إلى اتفاق الاجتماع المصغر الموقع في طرابلس في 30 آب / أغسطس وإلى ما خلص إليه مجلس النواب في جلسة 14 سبتمبر، حين صوت على اعتماد اتفاق»4+4» ومخرجاته المتعلقة بالقوانين الانتخابية وإعادة تشكيل المفوضية.
لكن الانتقال من اعتماد الاتفاق إلى إصدار قوانين وقرارات ملزمة أعاد الخلاف مع المجلس الأعلى للدولة إلى الواجهة، بعدما رفض المجلس القانون رقم 4 لسنة 2026 ووصفه بأنه «غير دستوري».
وأكد المجلس الأعلى للدولة أن اعتراضه لا يتعلق برفض إجراء الانتخابات أو تعديل القوانين الانتخابية من حيث المبدأ، وإنما بالطريقة التي جرى بها تحويل التفاهمات السياسية إلى قواعد تشريعية نهائية.
ويرى المجلس أن الوصول إلى الانتخابات ينبغي أن يستند إلى أساس دستوري وقانوني متوافق عليه، معتبراً أن التعديل الدستوري الثالث عشر أوجد مساراً تشاركياً بين مجلسي النواب والدولة من خلال لجنة «6+6» المكلفة بإعداد القوانين الانتخابية.
وبناء على ذلك، يعتبر المجلس الأعلى للدولة أن اتفاق «4+4» الموقع في 30 آب / أغسطس لا يتجاوز كونه تفاهماً سياسياً يحتاج إلى استكمال مساره المؤسسي والقانوني وموافقة المجلسين قبل أن يتحول إلى قواعد تشريعية نهائية.
ودعا المجلس مجلس النواب إلى استكمال التشاور المؤسسي بشأن الإطار الانتخابي، بما يفضي إلى صيغة تحظى بأوسع قدر ممكن من التوافق، محذراً من أن تمرير القوانين دون استكمال هذا المسار قد يفتح الباب أمام الطعن في شرعية الانتخابات ونتائجها مستقبلاً.
كما وجه دعوة إلى بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا للاضطلاع بدورها التيسيري، بما يضمن احترام المؤسسات الليبية ومساراتها الدستورية، وألا يتحول دورها إلى استبدال مسار مؤسسي بآخر.
ويعيد هذا الخلاف إلى الواجهة الجدل بشأن الصلاحيات التشريعية لكل من مجلسي النواب والدولة، وهي إشكالية رافقت معظم محاولات الاتفاق على قاعدة دستورية وقوانين انتخابية خلال السنوات الماضية.
فبينما يرى مجلس النواب أن اعتماد اتفاق «4+4» يمنحه أساساً للمضي في إصدار التشريعات وتنفيذ مخرجات الاجتماع، يتمسك المجلس الأعلى للدولة بأن أي تعديل جوهري في القوانين الانتخابية يجب أن يتم ضمن الآليات المنصوص عليها في الاتفاقات والتعديلات الدستورية السابقة.
وبذلك، لم يعد الخلاف الحالي متركزاً فقط على مضمون القوانين أو شروط الترشح للرئاسة والبرلمان، بل أصبح يدور بصورة أساسية حول الجهة التي تملك صلاحية تحويل اتفاق «4+4» إلى تشريعات نافذة والطريق الدستوري الواجب اتباعه.
ويأتي التصعيد في وقت يحاول فيه أعضاء الاجتماع المصغر الدفع نحو تنفيذ اتفاقهم، بعدما عقدوا في تونس خلال أيلول / سبتمبر اجتماعاً لمتابعة خطوات التنفيذ وحشد دعم سياسي أوسع للمخرجات التي توصلوا إليها.
غير أن العقبة الأبرز تبقى مرتبطة بمدى قبول المؤسسات السياسية بهذه القواعد، إلى جانب ملف تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، الذي جعله قانون انتخاب الرئيس نقطة البداية لحساب مهلة الأربعة والعشرين شهراً المخصصة لإجراء الانتخابات.
وهكذا، ورغم أن مجلس النواب انتقل خطوة إضافية بإصدار حزمة القوانين والقرارات، فإن الخلاف مع المجلس الأعلى للدولة يعيد فتح سؤال الشرعية القانونية والسياسية للمسار، ويضع اتفاق «4+4» أمام اختبار جديد يتعلق بقدرته على التحول من تفاهم سياسي بين مجموعة من الأعضاء إلى إطار ملزم يحظى بقبول المؤسستين ويمهد فعلياً لإجراء الانتخابات.

✎

فريق تحرير العرب الاخبارية

فريق التحرير في العرب الاخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق