«لو يخجل الموت قليلا»: حين يتحول الرثاء إلى «أغنية للغائبين»

منذ ساعة

عبد العزيز بنعبو

الرباط ـ «القدس العربي»: «الموت لا يوجع الموتى، بل يوجع الأحياء». بهذا العمق البليغ اختصر الشاعر الراحل محمود درويش وجع الفراق وألم وداع الراحلين من الأحبة، وهي العبارة نفسها التي اختارها الكاتب والصحافي عبد العزيز كوكاس لتكون فاتحة كتابه «لو يخجل الموت قليلا».
الكتاب الصادر عن منشورات النورس، يقع في 141 صفحة من القطع الصغير، وإلى جانب العنوان الرئيسي أصر الكاتب على أن يجعل من الرثاء «أغنية للغائبين»، مع دلالة واضحة على الغلاف، حيث تتدلى ورقة شجرة ذابلة على مشارف السقوط في خريف عمر ما.
رغم أن كوكاس يكشف من العنوان عن طبيعة كتابه، وأن الثيمة الأساسية هي الموت والغياب والفقد والذاكرة، فإن العنوان، الرئيسي والفرعي، يحيل مباشرة على حجم هذا الرحيل، كما يغير المعنى الأساسي للرثاء بصيغته التقليدية. فهو ليس مجرد استعادة لمناقب الذين رحلوا، بداية من والده وبقية الأحبة الذين ودعهم، بل هو محاولة للإنصات إلى ما يتركه الغائبون في حياة الذين بقوا. لذلك، فإن الموت، في تجربة كوكاس، لا يعني اختفاء الإنسان بصورة نهائية، إذ يظل حاضرا في الذاكرة، وفي الأمكنة، وفي التفاصيل الصغيرة، وفي اللغة التي تستعيد صوته وملامحه. وبالتالي، فإن الكتابة تنتصب في مواجهة النسيان، وتمنح الغائبين حضورا رمزيا جديدا. ويبدو حجم الوجع لدى الكاتب من خلال قائمة الغائبين التي جاءت على شكل عناوين لنصوص داخل المؤلف. البداية كانت بتقديم كتبه محمد هاشمي تحت عنوان «هسيس كلمات الغائبين»، وأكد أن «القارئ سيستعيد في هذه المرثية التي تنثال كلماتها كسحائب مبخرة عود في جنازة هادئة، الكثير من وجع الفراق، والكثير من صور الصمت، لكن هذه المرة قد تسعفه الكلمات التي تقدمها هذه الصفحات، لكي يقول لأحبته ما لم يستطعه تحت صدمة الفقد، وسيسمع لا محالة هسيس كلمات الغائبين، تطمئنه بأنهم بخير، ما دام أن اللغة ما تزال تأويهم ضد قسوة الموت، حينما يتمكن بعض الفرسان من كسر سيف المحو بقوة الإبداع».
يستهل كوكاس رحلة الوجع بـ»الرثاء الذاتي»، ويمر خطوة أخرى نحو «خطاب الوداع الأخير»، الذي خصصه لوالده الراحل محمد بلحسن، الذي كانت «عيناه غير منطفئتين» حين أودعه في أعماق الليل. أما عند حديثه عن والدته ورحيلها، فقد أكد أن «كل ابن بأمه معجب»، ولم تسعفه «وطأة الفقد» ليرثيها بما يليق بمقامها في القلب. وتتوالى لائحة الغائبين من خلال «رحيل محمد سبيلا.. مفكر حاول زرع واحة الحداثة في قلب صحراء القفر العربي»، وشقيقه «زارع البسمة في قطرة ندى»، ويهدي لبا عمر «زهرة لما تبقى من عمر»، أما إدريس الخوري فهو «بوكوفسكي المغربي الذي ظل عصيا على الترويض».
ويصف كوكاس الكاتب والإعلامي الراحل عبد الجبار السحيمي بـ»الحكيم الصوفي»، أما بالنسبة لنور الدين الصايل، فقد «مات المعلم الذي خلق فينا بهجة السينما وعشق الصورة». وفي حالة عبد الحميد بنداوود، فإنه «موت أجل… للمتشظي». أما المناضل الحقوقي إدريس بن زكري، فـ»مات قرير العين ولم يسعفه جسده على الانتقال حتى آخر الليل».
وفي القائمة أيضا عبد الكبير العلوي الإسماعيلي، «المتردد الذي عاش الصحافة كقلق دائم»، وفاضل العراقي، الذي مات «لكن وشم فضائله الإنسانية حي لا يموت». ويختتم بنص «لقد أجهزوا على الـ(جواد)» في رثاء المسرحي الراحل أحمد جواد.
عموما، فإن العنوان فيه عتاب واضح ولوم أيضا، لكنه هو المفتاح الأبرز لقراءة الكتاب. فالموت يتحول من قدر إلى كائن يخاطبه الكاتب ويعاتبه، بل يطالبه بالتريث، وأن يخجل قليلا حتى يتيح للأحبة وداعا لائقا لأحبتهم، من دون عجلة أو رحيل مبكر أو غياب متتالي لمن يسكنون القلب. الثابت في الكتاب أن القارئ سيصعد مرتفع الألم ويغرق في بحر الحزن، لكنه سيجد «أغنية للغائبين» لتحول العناء إلى لحظة احتفاء بمن رحلوا. في محاولة للابتعاد عن البكاء وتحويل الدموع إلى حضور وكلمات يقولها الراحلون الذين تركوا أثرا في حياة الفاقدين.
ويتحدث الكاتب عن نفسه في صيغة «موت بالتقسيط المريح»، عبارة اشتقها من إعلانات القروض، لكنها تبدو هنا أكثر من مجرد استعارة عابرة أو مفارقة لغوية. فالموت، بالنسبة إلى من بقي، لا يحدث دفعة واحدة، ولا ينتهي لحظة دفن الجسد، إنه يتسلل إلى الحياة بالتقسيط، مع كل ذكرى تستعيد وجها غائبا، وكل مكان كان يحتضن حضورا ثم أصبح يذكر بالغياب، وكل مناسبة كان الراحلون جزءا منها قبل أن يصبح حضورهم مجرد صورة أو صوت أو حكاية.
فهل هو قرض من الحياة ينتهي بمجرد سداد فاتورة العيش، أم أن الإنسان، منذ لحظة الفقد، يبدأ في أداء أقساط طويلة من الحنين؟ وهل الموت هو الذي يأخذ الراحلين وحدهم، أم أنه يترك وراءه موتا آخر يتوزع على الأحياء، كلما استعادوا الذين أحبوا وفقدوا؟ لعل «موت بالتقسيط المريح» هو في أحد وجوهه، ذلك الموت الذي لا يكتمل مرة واحدة، لأن الغائب يظل حاضرا في الذاكرة، فيموت قليلا كلما حاولنا نسيانه، ويحيا قليلا كلما استدعته كلمة أو صورة أو مكان.
على أي حال، ففي كل المعاني الواردة في العمل، وكل النصوص التي «غناها» كوكاس للغائبين، تصبح الكتابة مواجهة رمزية مع الموت الذي يأخذ الجسد ويضع مكانه الغياب والنسيان، لكن الكلمة تحفظ الأثر، وتستعيد الذاكرة، وتجعل النسيان عصيا جدا.

✎

فريق تحرير العرب الاخبارية

فريق التحرير في العرب الاخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق