دافيد بن غوريون، الذي فهم أمن دولة إسرائيل أكثر من الذين يظهرون في الندوات يومياً، صرح بوضوح: “مصير دولة إسرائيل يعتمد على أمرين: قوتها وعدالتها”. العلاقة بين القوة والأمن واضحة. وقد حان الوقت للحديث عن العلاقة بينهما.
إسرائيل دولة يعتمد أمنها وازدهارها على دول العالم، واستعداد هذه الدول لدعمها مرهون بدرجة كبيرة بإقرارها بعدالة مسارها. أدرك بن غوريون هذا جيداً. ورأى في قدرة إسرائيل على أن تكون “نوراً للأمم” مفتاح مصيرها.
مثلت حرب الأيام الستة نقطة تحول. صحيح أن إسرائيل لم تكن نموذجاً للعدالة المطلقة، ولكن المظالم التي ارتكبتها، وعلى رأسها التطهير العرقي في 1948، كانت ضرورية جداً من أجل وجودها كدولة يهودية وديمقراطية. وحتى العام 1967 لم تعمل إسرائيل على توسيع حدودها، بل السلام داخل حدودها القائمة. بعد ذلك، جاءت الحرب والتغيير الجذري. إسرائيل أحبت “المناطق” [الضفة الغربية]، وتسبب احتلالها المستمر في ضياع عدالة طريقها.
لم تقتنع المنظومة الدولية قط بحجج إسرائيل بشأن حقها في السيطرة على الأراضي المحتلة، ويتضح ذلك في كل صيغة دولية لحل النزاع تم طرحها منذ العام 1967 وحتى الآن. ولكن خلال ستين سنة تقريباً، تمكنت إسرائيل من التعامل مع التناقض بين استمرار الاحتلال وضرورة الحفاظ على الدعم الدولي بواسطة آلة دعاية فعالة وجماعات ضغط قوية في الولايات المتحدة، وشعور دول أوروبا بالذنب حيال الكارثة.
لقد غير وصول الحكومة اليمينية المتطرفة إلى الحكم، وأسلوبها الوحشي الذي شنت فيه إسرائيل الحرب على غزة، وأعمال الشغب التي يقوم بها المستوطنون ضد الفلسطينيين خلال السنوات الأربع الأخيرة، كل ذلك غير الوضع جذرياً. فكل يوم إضافي يشاهد فيه العالم الكارثة الإنسانية في غزة، والمذابح التي يدعمها الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، يزداد اشمئزازه من إسرائيل.
صحيح أن وسائل الإعلام تمتنع عن التحدث عن ذلك وكأن كل ذلك يحدث في الخفاء، لكن غض النظر المتعمد لا يحسن الوضع الأمني لإسرائيل قيد أنملة.
إن المؤشرات واضحة، ليس في الاستطلاعات فقط التي تشير إلى تراجع كبير في شعبية إسرائيل بالولايات المتحدة وأوروبا، أو في المسافة التي يسعى كل مرشح في انتخابات نصف الولاية إلى كسبها، بل في التحذيرات الصريحة من قادة يؤيدون إسرائيل. فقد حذر رام عمانوئيل، وهو يهودي صهيوني متشدد ومرشح محتمل لرئاسة الولايات المتحدة في 2028، مؤخراً من أن التحالف الاستراتيجي بين إسرائيل والولايات المتحدة “يقف على مفترق طرق”. من يؤيدون إسرائيل الآخرين لم يصمتوا أيضاً.
إن ثمن فقدان الدعم الأمريكي لإسرائيل لا يقتصر على وقف المساعدة الأمنية السنوية بمبلغ 3.8 مليار دولار، فدولة إسرائيل يمكنها تحمل ذلك. ولكن ما قد يطرح على جدول الأعمال في السنوات القادمة هو وقف كل مبيعات السلاح لإسرائيل وفقدان الدعم الدبلوماسي الأمريكي، وهو أمر حيوي لمنع فرض عقوبات دولية عليها. وهذا قد يتسبب بضرر كبير لقدرة إسرائيل على الدفاع عن نفسها، لذلك، من المناسب التساؤل عما يفعله المسؤولون عن أمنها من أجل التصدي لهذا التهديد.
لم يعد لدينا أي أمل في رئيس الحكومة نتنياهو ووزير الدفاع إسرائيل كاتس. فكل يوم يكشف من جديد مدى تأثر مفاهيمهما الأمنية بالفساد الشخصي، كما تشهد على ذلك الكشوفات الأخيرة في قضية الغواصات؛ أو أنها نتيجة تفكير استراتيجي بدائي، كما يتضح من خطابات التحريض لكاتس.
لكن ماذا عن رئيس الأركان والجنرالات؟ ألا يخشون من سيناريو قد يفقد فيه الجيش الإسرائيلي التفوق التكنولوجي في غضون بضع سنوات؟ هل لا يفهمون تحذير بن غوريون بأن مصير إسرائيل مرهون بصوابها؟
ألا يعرفون أن ما يرتكب بدعم جنود الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية قد يؤدي إلى كارثة؟
يبدو أنهم لا يعرفون ذلك. فعلى شاشات العالم يشاهد جنود الجيش الإسرائيلي إلى جانب المشاغبين من عامة الشعب وهم يغلقون الشوارع ويقتلعون أشجار الزيتون ويعتدون على كل شبر في الضفة الغربية ويدمرونها. أحياناً، يدين رئيس الأركان والقائد الأعلى هذه الأعمال بعبارات ضعيفة، لكنهم لا يصدرون الأوامر المطلوبة لمنع الحماقة والوحشية التي تجسدها هذه الأعمال، ولا يعرفون الثمن الأمني الباهظ الذي يتم دفعه بالفعل.
عليهم التعلم من أسلافهم. يقود اللواء المتقاعد مندي أور، المنسق السابق لأعمال الحكومة في “المناطق”، جولات منذ سنة لتحطيم الصمت ولفت انتباه الرأي العام إلى ما وصفه تمير بردو، الرئيس السابق للموساد، بأنه “تهديد وجودي لدولة إسرائيل”. وقد شارك في هذه الجولات حوالي 200 شخص بارز سابق في المؤسسة الأمنية، من بينهم رؤساء أركان ورؤساء موساد ورؤساء “شاباك” وأشخاص بارزون آخرون.
وقد خطا اللواء المتقاعد أيال بن رؤوبين، خطوة أبعد من ذلك، إذ شكل مجموعة تهدف إلى منع المزيد من أعمال الظلم. وقد ظهرت هذه المجموعة التي تضم عدداً من الجنرالات السابقين مثل يفتاح سبكتور ويوئيل فالدشاو وشاؤول شيفي، وهم طيارون أصحاب إنجازات كثيرة، قبل بضعة أيام، وتوجد هذه المجموعة على الأرض لمنع المشاغبين من “شبيبة التلال” [المستوطنون] من وقف الصهاريج القادمة لملء المياه للأغنام التي كانت ستموت من عطشاً لولا ذلك. هم وغيرهم، مثل العقيد المتقاعد دورون ماينرت ومواطنون عاديون يتواجدون باستمرار في بؤر التوتر، يمثلون الصدّيقين في هذا الميدان الذي تحول إلى بؤرة ذنوب.
لا تقتصر أفعالهم على محاولة إعادة إسرائيل إلى المسار الصحيح. فالإعلام العالمي ينظر إلى الجنرالات الإسرائيليين الذين يأتون لحماية الفلسطينيين في الضفة الغربية كقصة “الإنسان الذي عض كلباً”، ويظهر الاهتمام بها، خلافاً لوسائل الإعلام الإسرائيلية. لذلك، ربما هناك فرصة كامنة، حتى لو كانت ضئيلة، في إدراك العالم أن ليس كل الإسرائيليين مستوطنين متهورين، من أجل منع الكارثة القادمة.
أوري بار – يوسيف
هآرتس 28/9/2026
- بن غفير يقتحم زنزانة الأسير حسن سلامة ويتوعد بإعدام الأسرى الفلسطينيين- (فيديو)
- السفير الأمريكي لدى الصين: ترامب عرض بيع أسلحة لبكين
- الذهب ينخفض بأكثر من 1% متأثرا بتوقعات رفع الفائدة الأمريكية
- تايلور سويفت تصبح الأكثر فوزا بجوائز “إم تي في” للأغاني المصورة
- وزير الخارجية السعودي يصل إلى واشنطن لإجراء محادثات مع نظيره الأمريكي


















0 تعليق