الأرجح أنّ قارئاً مواظباً على فعل القراءة، متوسط التمرّس في إدراك خفايا النصوص وما قد يُستبطن وراء السطور، لن تفوته مستويات شتى متنوعة من البراعة الأسلوبية، اللغوية والاستعارية والترميزية، وقسط غير ضئيل من ذكاء بناء الفصول ودهاء ترتيبها؛ في كتاب المذكرات «أغنية البجعة: ديانا، شقيقتي»، الذي صدر مؤخراً في لندن ضمن منشورات بنغوين، بتوقيع شارلز سبنسر، شقيق أميرة ويلز (1961 ـ 1997).
على سبيل المثال الأول، اختتم سبنسر كتابه بالفصل 30، لأنه أغلب الظنّ شاء له أن يُحدث تأثيرات قاعدة الـ»ختامها مسك»؛ فسرد فيه واقعة مجيء الزعيم والرمز الكوني الأشهر نلسون مانديلا إلى مقبرة آل سبنسر في ألثروب، خريف 2022، لتحقيق رغبة راودته طويلاً: وضع إكليل من الزهور على قبر ديانا، رغم مرور خمس سنوات على وفاتها في حادث سير أسفل أحد جسور العاصمة الفرنسية باريس. وهناك، في الجزيرة حيث القبر، قطع مانديلا الصمت وخاطب مرافقه سبنسر هكذا: «أنت تعرف بالتأكيد أنها كانت سيدة عظيمة عظيمة، شقيقتك هذه»؛ وتوجّب بالتالي أن يكتب الشقيق، على أعتاب الذكرى الـ30 للرحيل: «أدركتُ، في تلك اللحظة، أنّ هذا الأروع بين الرجال خصّ ديانا بتبجيل هو الأرفع الذي يمكن أن يصوغه أحد».
صحيح أن باع سبنسر في الكتابة ليس قليلاً، فهو مؤرّخ وصحافي وإذاعي، وقّع 9 مؤلفات غير قصصية، بينها 4 كانت في عداد الأكثر مبيعاً حسب لوائح الـ»صنداي تايمز»؛ ولكن ليس أقلّ صحة أنه صمم فصول كتابه، كلها كما في الوسع الافتراض، على سبيل إرسال رسائل متعددة الأغراض، على رأسها اثنتان: إنصاف شقيقته وردّ كرامتها وإحياء مكانتها في القلوب، ومساءلة قصر بكنغهام والعائلة الملكية عامة وملامة الملك الحالي/ الزوج الأسبق خاصة وتحديداً. كان بالتالي يعرف، كما يعرف سائر قرّاء كتابه، أنّ مانديلا لا يلقي كلمات الإطراء على عواهنها؛ وأنّ الليدي ديانا، أسابيع قليلة قبيل مقتلها، قامت بزيارة مشهودة إلى جنوب أفريقيا، حيث حرص مانديلا على استقبالها شخصياً، وأثنى على سلسلة أعمال خيرية بادرت إلى تنظيمها في البلاد.
وليس خالياً من حسّ البراعة، والقصدية العالية، اختيار سبنسر تعبير «غناء البجعة» عنواناً لكتابه، بالنظر إلى ما يحمله من دلالات متقاطعة لا تبدأ من خلفيات الأسطورة الكلاسيكية (وديانا، في نهاية المطاف، هي إلهة الصيد والقمر والولادة في الميثولوجيا !)؛ وتمرّ، وجوباً، بما يؤثر عن البجعة من أداء أغنية شجية متميزة بعد أطوار صمت، قبيل الموت؛ ولا تنتهي عند عشرات التوظيفات الأدبية والمجازية التي ترددت في المأثور الشعبي والثقافي الغربي على امتداد القرون. وبعض التفصيل الثانوي في براعة استحضار البجعة، وليس أغنية اختتام الوجود فقط، أنّ سبنسر يذكّر مراراً بنزوع الليدي ديانا إلى تفضيل البجع الأسود الأندر، على النوع الأبيض الأكثر شيوعاً.
لا عجب أنه، في الصفحة الاستهلالية من كتابه، يقتبس ثلاثة نصوص: من مجهول لا يسمّي ديانا، وإنْ كان يسرد تسعة أعشار خصالها؛ ومن قصيدة الشاعر البريطاني تيد هيوز، القصيرة، في رثاء أميرة ويلز؛ ومن القسّ الأمريكي جورج واشنطن دوان (1799 ـ 1859): «عشْ هكذا يا حبيبي، حتى إذا جاء الموت/ فليحملك، كما البجعة حلواً، إلى السكنى». وقد يجوز فتح قوسَين هنا، على سيرة أغنيات البجع، للتذكير بقصيدة عذبة للشاعرة الفلسطينية الراحلة فدوى طوقان، بعنوان «أغنية البجعة»، في مجموعتها «أعطنا حبّاً»، 1960؛ تستهلها بهذا التنويه: «يشتدّ غناء البجعة إذا جُرحت، ومن هنا أخذتُ الاسم لهذه القصيدة الجريحة».
ولعلّ قارئاً جذبت مداركه طرائقُ سبنسر البارعة في تصفية حسابات متأخرة مع العائلة المالكة، لا يبالغ أو يفرط في التأويل حين يقرأ اضطرار الملك شارلز إلى الردّ على خال ولدَيه، وإنْ بلسان ناطق رسمي، من باب ملاقاة تلك البراعة؛ أو من زاوية تقدير الموقف حيال احتمالات يقظة التعاطف الشعبي، وربما الشعبوي، الذي اقترن بملفّ الليدي ديانا، أو تنكيل قصر بكنغهام بها ابتداء من الملكة إليزابيث نفسها. صحيح، هنا أيضاً، أنّ «التفنيد» الملكي اقتصر على 43 كلمة في الأصل الإنكليزي؛ ولكنّ الصحيح المقابل هو أنّ اللغة الغائمة، الدبلوماسية والمتعففة، لم تفلح في طمس الاستياء واللوم المضادّ: «ألم الأسى الأخوي يمكن أن يخيّم على العقل، ويؤثر في التبصّر، ويلوّن الذاكرة بطرق لا يدركها الآخرون، حتى بعد سنين عديدة أعقبت الفقد».
وبمعزل عن هذه، وسواها، من جوانب التقنيات النصّية والتأليفية في كتاب قد لا يضيف الكثير الجديد إلى سيرة «الليدي دي»، قد يصحّ إدراج مسعى سبنسر في سياق أعرض ذي أبعاد سياسية ـ اجتماعية وثقافية اكتنف على الدوام ذلك الشطر الخاصّ، الحافل والشائك والإشكالي، الذي صنعته «أميرة القلوب» في قلب واحدة من أعرق السلالات الملكية في أوروبا والغرب إجمالاً. وقد يقتضي الإنصاف التسليم بأنها أنجزت سلسلة اختراقات كبرى في تراث ملكي سياسي وأخلاقي عتيق، لا تغيب عنه رائحة العفونة؛ وامتلكت جسارة نبيلة باتت علامة فارقة لسيدة طلّقت التاج بقرار منها، وأمست حرّة في مشاعرها وأقوالها وأفعالها، وفي «استثمار» فتنتها الشخصية حيثما توجّب تقويض تقليد فاسد.
ليدي ديانا: البجعة والعفونة
ليدي ديانا: البجعة والعفونة
















0 تعليق