نتنياهو المنبوذ وعباس الممنوع من الحضور: المنبر أم الشرعية؟

منذ ساعة

ألقى بنيامين نتنياهو خطابه المكرور أمس من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، فيما ظهر محمود عباس، الذي رفضت الإدارة الأمريكية منحه تأشيرة، عبر شاشة من داخل القاعة نفسها. يبدو هذا الترتيب الجغرافي ` السياسي لحضور المسؤول الإسرائيلي المطلوب اعتقاله بأمر من المحكمة الجنائية الدولية (والذي مكنّته ثلاث دول أوروبية من عبور أجوائها)، وغياب الرئيس الفلسطيني، للوهلة الأولى، تعبيرا مباشرا عن اختلال ميزان القوة. غير أن التفاصيل تجعل المشهد أكثر تعقيدا: ردت الجمعية العامة على القرار الأمريكي بالتصويت، بأغلبية 152 دولة مقابل ثلاث، بالسماح لعباس بإلقاء كلمته عبر الفيديو، فيما واجهت سياسات إسرائيل من زعماء عرب وأجانب لهجمات حادة غير مسبوقة.
هناك مفارقة في هذه الصورة تتجاوز ما تبدو عليه. بامتلاكها سلطة المكان، تستطيع أمريكا تحديد من يدخل أراضيها، لكن هذه السلطة لم تستطع تحديد لمن تريد أغلبية البشرية أن تستمع. في المقابل، يستطيع رئيس الوزراء الإسرائيلي دخول القاعة، لكن دخوله يشبه إشعال فتيل صاعق الرفض العالمي لإسرائيل.
عكس هذا الرفض عزلة شخصية لنتنياهو، وهو ما دفعه لتقصير هذه الزيارة المثقلة بالاحتجاجات والخلافات، بحيث بدا خطابه موجها بدرجة كبيرة إلى الداخل الإسرائيلي، حيث تقترب الانتخابات، مع الجرعة المعهودة من التعبير عن الكراهية لخصومه في العالم.
غير أن ما يتعرض للتصدّع في العالم وإسرائيل هو شيء أعمق، ويتعلّق، على ما يظهر، بالصيغة التي أتاحت للدولة العبرية، طوال عقود، الجمع بين دعم أمريكي شديد الحماسة، وعلاقات «عاطفية حارة» مع معظم العواصم الغربية، وفوق ذلك، القدرة الواسعة على مقاومة الضغوط الدولية المرتبطة بالاحتلال من دون دفع كلفة سياسية. الدعم الأمريكي لم ينته، ولا تزال واشنطن توفّر لتل أبيب ثقلا عسكريا وسياسيا كبيرين. لكن قدرة هذا الدعم على إنتاج قبول دولي بسياسات الحكومة الإسرائيلية قد تهالك وتآكل إلى درجة كبيرة.
هذا السياق هو ما حوّل فلسطين، والفلسطينيين، إلى «بارومتر» لقياس فاعلية المؤسسات الدولية، والتي تقع الأمم المتحدة على رأسها، ومصداقية القوانين الدولية وكذلك المبادئ والأخلاق التي تعارفت عليها الإنسانية.
لا تزال أمريكا الدولة الأقوى في العالم، لكنها تقف على هوة سوداء متعاظمة تفصل بين امتلاكها للقوة وبين القدرة على تحويل هذه القوة إلى شرعية أو إجماع. لخّص أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة المسألة هذا الأسبوع حين أعاد التأكيد على أن السلام يفترض تقييد القوة بالقانون، وأن القوة لا يمكن أن تكون الحكم النهائي في تقرير مصير البشرية.
جعلت غزة هذا التناقض أكثر جلاء. حين تطالب واشنطن دولا أخرى باحترام القانون الدولي، ثم ترفض اختصاص مؤسسات دولية حين يتعلق الأمر بإسرائيل، يصبح السؤال متعلقا بمصداقية النظام الذي تقوده الولايات المتحدة، لا بإسرائيل وحدها. لذلك فإن الضرر الذي أحدثته الحرب لا يُقاس فقط بعدد الدول التي تنتقد نتنياهو وسياساته الإجرامية، بل بمدى اتساع الفجوة بين الموقف الأمريكي وبين قطاعات متزايدة من الرأي العام والحكومات والمؤسسات الدولية.
المفارقة هنا أن تراجع الهيمنة الأمريكية لا يعني تقدما تلقائيا للقضية الفلسطينية فالنظام البديل عن منظومة الهيمنة الأمريكية – الإسرائيلية ما زال يتشكل. علينا أن نقر هنا أن صعود الصين، وتوسّع هامش حركة القوى الإقليمية، وتراجع قدرة واشنطن على فرض إرادتها لن يؤدي بالضرورة إلى نشوء عالم أكثر التزاما بحقوق الشعوب فقد يعني عالما أشد فوضى تحكمه المساومات وموازين القوى بين البلطجية الكبار، والبلطجية الأصغر، وهو ما نراه، بدوائر متفاوتة في أكثر من مكان، وخصوصا في ما يسمى الشرق الأوسط.
غير أن ذلك لا يمنع من ملاحظة أن المشهد الأبرز أمس تظهره المفارقات الهائلة التي تقلب معنى حديث عباس عبر الشاشة ووقوف نتنياهو على المنبر لتظهر من هو الحاضر ومن هو المنبوذ.

✎

فريق تحرير العرب الاخبارية

فريق التحرير في العرب الاخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق