رحيل الروائي المصري «حمدي البطران».. مفارقة العدالة والأمن

منذ ساعة

القاهرة ـ «القدس العربي»: رحل الروائي والكاتب المصري حمدي البطران (10 فبراير/شباط 1950 ــ 23 سبتمبر/أيلول 2026)، والذي جاءت شهرته من خلال ما دار من صخب حول روايته «يوميات ضابط في الأرياف»، التي تم التحقيق معه بسببها وهو ضابط شرطة في الأساس، وعاني من خلالها الكثير، رغم ذلك استمر في الكتابة، سواء كانت أعمالا روائية أو فكرية تناولت في أغلبها موضوع الحريات والسُلطة ـ من وجهة نظره بالطبع ـ وهو ملمح غريب عن رجل عاش أغلب سنواته ضابطاً للشرطة. وربما ظلمت هذه الرواية التي لا يُذكر اسمه إلا مقترناً بها الإنتاج الأدبي والفكري للراحل ككل.
في هذا التقرير أستعرض بعض من سيرة وأعمال الكاتب المصري الراحل:

عصر السبعينيات

بدأ وعي الكاتب الراحل والمُنتمي إلى صعيد مصر في الستينيات، حيث كان عضواً في الاتحاد الاشتراكي، وقد أتم دراسته الأولى في كلية الهندسة عام 1973. بعد ذلك التحق بكلية الشرطة، ثم حصل على ليسانس الحقوق. في تلك الفترة كانت مصر تغيّر من عقيدتها السياسية، فقد عاصر انتفاضة 1977، ليس من موقع فرد من أفراد الشعب، بل من خلال وظيفته كضابط للشرطة. حمدي البطران الذي كان شغوفاً بالقراءة والتحصيل الأدبي الشخصي، وجد نفسه في موقع متباين ومُقلِق ما بين أفكاره واعتقاداته، ووظيفته. مع ملاحظة أن تلك الفترة شهدت اتفاقية كامب ديفيد 1978، التي أصابت الكثيرين بحالة من حالات الفصام السياسي، وربما النفسي. في ظل هذه الأجواء يمكن رصد حالة حمدي البطران، الذي يترصد حالات العدالة والحق، رغم طبيعة عمله!

طبيعة الإرهاب

نأتي أولاً لرواية البطران «يوميات ضابط في الأرياف»، التي يحيل عنوانها مباشرة كـ(معارضة) لرواية توفيق الحكيم «يوميات نائب في الأرياف»، وتتمثل موقع الراوي المُعلِق على الأحداث من خلال وظيفته. هنا يحاكي البطران في روايته شخصيته الحقيقية والوظيفية كضابط للشرطة في قرية من قُرى الصعيد وقت المد الإرهابي في جنوب مصر، وانتشار الجماعات المسلحة.
وفي الرواية يكشف البطران مدى التقصير الأمني، والخطأ الدائم الذي تواجه به الشرطة هذه الجماعات، فلا مراعاة لحالات معينة للناس العادية، إضافة إلى السلطة ـ العُمدة وما شابه ـ التي تزيد من اشتعال هذه الحروب الداخلية، ناهيك من حالات الفقر والجهل في قرى الصعيد، التي تزيد من سطوة وسلطة تلك الجماعات. فهناك حالة من التواطؤ غير المقصود ـ أو ربما المقصود ـ بين قمع السُلطة وتجهيل الناس. من ناحية أخرى لم يتخل البطران عن وظيفته في تحليل الأحداث، ولكن من وجهة نظر ضابط شرطة مثقف، وهو ما لم يعجب الرؤساء في وزارته، فتم التحقيق معه.
يقول البطران في حوار سابق معه في «القدس العربي» عدد 29 مايو/أيار 2025، «بعد أسبوعين نشرت مجلة روزاليوسف تحقيقا صحافيا حول الرواية وقالت بعناوين كبيرة «ضابط ينشر كواليس ما يحدث من الشرطة» وكلام كثير عن الأسرار التي نشرتها الرواية. واستدلت على الكثير مما كتبته باعتباره وقع فعلا. وبعدها بفترة وصلني استدعاء من مفتش الداخلية للتحقيق معي رسميا. سلطة مفتش الداخلية في الشرطة تعادل سلطة النيابة الإدارية، فهو يحيل الوقائع التي تحققها إلى مجلس تأديب ضباط الشرطة، وحدث أن زار حبيب العادلي دار الهلال، وسألوه عن الرواية وسبب تحويلي إلى التحقيق، فرفض الحديث في هذا الموضوع. وبعد فترة وصلني إعلان لتحويلي لمجلس تأديب ضباط الشرطة، متهما بعشر اتهامات تدور حول إفشاء أسرار العمل، وإهانة الضباط والنيابة وأمناء الشرطة والتعريض برجال الشرطة. كان المثول أمام مجلس كهذا مهيناً لي كضابط برتبة العميد. كان رئيس المجلس يتعمد الحديث معي كأنني شخص تافه. وتم الحكم علي بخصم ستة شهور من راتبي، وهو حكم جسيم، فاستأنفت الحكم أمام مجلس التأديب الاستئنافي، وتم إسقاط جميع التهم، عدا مخالفة واحدة، هي عدم الحصول على إذن وزارة الداخلية. وفي العام التالي تمت ترقيتي لرتبة اللواء وإحالتي للتقاعد مع أكثر من 600 ضابط».

خريف الجنرال

وربما تُعد روايته «خريف الجنرال» الأكثر إنسانية، ومُساءلة لجدوى السُلطة بالأساس ـ كعَرَض زائل ـ فيستعرض من خلالها الكاتب حياته وواقعه الجديد بعد أن غادر منصبه وتمت إحالته إلى المعاش. هنا يرصد الكاتب ويُفند طبيعة السلطة، وكيفية التعامل من خلالها، وكيفية إحساسه بها. وتُعد هذه الرواية من أفضل أعمال الكاتب الراحل، فهي وإن كانت تحمل همّاً شخصياً، إلا أنها في الوقت نفسه تشريحاً للسلطة حينما تُغادر أصحابها، ولكن شهرة (ضابط الأرياف) ظلمت هذه الرواية، التي تعد بحق من الأعمال الروائية المهمة، من حيث موقع صاحبها والأجواء التي يُعبر عنها، والأفكار التي يُناقشها من خلالها.
الحال نفسه يتحدث عنه البطران ولكن من وجهة أخرى، وجهة (عَبيد السُلطة) من المثقفين، فإن كان الكاتب تصالح مع نفسه من خلال الكتابة ــ المطرود من رحمة السُلطة ـ فهو هنا يتحدث عن المتشبثين بها، والذين يتنازلون عن قيمهم في سبيلها ـ لاحظ أنه تم الاستغناء عنه ثمناً لأفكاره ـ فيقول.. «ولماذا لا يُسبّحون بحمد رئيس الدولة التي منحتهم لبنها وعسلها، يرضعونه ويشربونه طيبا وحلالا، في صورة مناصب وجوائز الدولة، سفر للخارج في المؤتمرات الأدبية. هناك تصنيف للأدباء واتفاق ضمني على بعض من تظللهم الوزارة بمظلتها، فهؤلاء حتى إن كانوا من غير موظفي الوزارة، فهم يشرفون على سلاسل إصدارات الهيئتين، الكتاب والثقافة، ويتمتعون بندوات الوزارة ومناصبها، وعضوية المجلس الأعلى للثقافة سنوات طويلة، ويفوزون بالجوائز، ولو قام باحث بحصر َمن حصلوا على جوائز الدولة من المنتمين للوزارة وكبار موظفيها لاكتشف الكثير من دون خجل. وفضلا عن هذا تم منحهم المناصب الثقافية، حتى إن أحد وزراء الثقافة حصل على جائزة الدولة!».

بيبلوغرافيا

ولد حمدي عبد الله أحمد البطران في ديروط في محافظة أسيوط، جنوب مصر في العاشر من شهر فبراير 1950. حصل على بكالوريوس الهندسة عام 1973، ثم ليسانس الحقوق وليسانس علوم الشرطة، وعمل في جهاز الشرطة المصرية حتى وصل إلى رتبة لواء، ثم تمت إحالته إلى المعاش.
كان الراحل عضواً في نادي القصة بالقاهرة، كما شغل عضوية مجلس إدارة اتحاد كُتّاب مصر حتى أبريل/نيسان 2022، وترأس شعبة أدب الرحلات. إضافة إلى رئاسته نادي أدب ديروط والنادي المركزي في أسيوط.

المؤلفات ..

المجموعة القصصية ..
«المصفقون» 1989،»شيء ما حدث» 2020.

الروايات..
«اغتيال مدينة صامتة» 1991، «ضوضاء الذاكرة» 1992، «يوميات ضابط في الأرياف» 1998، «خريف الجنرال» 2005، «ذكريات منسية» 2011، «كل شيء هادئ في الجنوب» 2014، «أيام هناك» و»القاهرة أسيوط» 2017، «وفاة أمين الحزب» 2018، «محاولة للنسيان»، «بئر أم السعد»، و»طه الذي رأى.. أيام ما بعد الأيام» 2022.

دراسات وأبحاث..
«تأملات في عنف وتوبة الجماعات الإسلامية» 2011، «الأمن من المنصة إلى الميدان» 2013، «الملف القبطي» 2015، «محاكمة رواية» 2016، «السادات 81» 2017، «هوامش على حرية التعبير» و»صدام حسين.. أفراح ونكبات» 2018، «القذافي.. الواقع والأسطورة» 2019، «حافظ الأسد.. أوهام الحرب والسلام» 2021، و»حكايات عابرة» 2022.
الجوائز..
حصل الكاتب الراحل على العديد من الجوائز والتكريمات، منها .. الجائزة الأولى لنادي القصة المصري في الرواية عام 1991، جائزة إحسان عبد القدوس في الرواية عامي 1994 و1996. كما حصل على ميدالية المجلس الأعلى للثقافة عام 1998، ودرع الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة عام 1999.

فريق تحرير العرب الاخبارية

فريق التحرير في العرب الاخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق