أصبح هرمون الكورتيزول محورًا لاهتمام متزايد على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ تربط منشورات ومقاطع فيديو بين ارتفاع مستوياته وأعراض مثل انتفاخ الوجه وزيادة دهون البطن والإرهاق، وتروج لطرق مختلفة لخفضه، بداية من أنظمة غذائية ومشروبات خاصة، وصولًا إلى المكملات الغذائية واختبارات الهرمونات المنزلية. لكن هل يعني الشعور بالتوتر أو التعب بالضرورة ارتفاع الكورتيزول؟ وهل يحتاج الجميع إلى محاولة خفض مستوياته؟
وفقًا لتقرير نشره موقع Verywell Health، فإن الانتشار الواسع للمحتوى المتعلق بخفض الكورتيزول قد يدفع بعض الأشخاص إلى الاعتقاد بأن هذا الهرمون هو السبب وراء معظم أعراضهم، بينما قد تكون حاجتهم الحقيقية هي تعلم كيفية التعامل مع الضغوط اليومية وتحسين عادات النوم والتغذية والنشاط البدني.
ما سبب انتشار الهوس بخفض الكورتيزول؟
تشير بيانات أوردها التقرير إلى أن الوسم المرتبط بالتخلص من الكورتيزول، المعروف باسم cortisoldetox، حقق قرابة 800 مليون مشاهدة على منصة تيك توك خلال الصيف،وتتنوع النصائح المتداولة بين تناول أطعمة توصف بأنها مضادة للالتهابات، وشرب خلطات معينة، وممارسة تمارين منخفضة الشدة، والابتعاد عن القهوة أو الصيام. كما تروج بعض الشركات لاختبارات منزلية تقيس الكورتيزول في اللعاب أو البول، إلى جانب مكملات غذائية يُقال إنها تساعد على التحكم في مستوياته.
لكن انتشار هذه النصائح لا يعني بالضرورة أن جميعها مدعوم بأدلة علمية كافية، أو أن الأشخاص الذين يعانون من الإرهاق يحتاجون إلى قياس الهرمون أو خفضه.
هل ارتفاع الكورتيزول دليل على التوتر؟
الكورتيزول هرمون تنتجه الغدد الكظرية، ويساعد الجسم على تنظيم الاستجابة للضغوط، كما يؤدي أدوارًا مهمة في عمليات الأيض، وتنظيم سكر الدم، وضغط الدم، والالتهابات.
وتوضح المعلومات التي أوردها التقرير أن مستوياته تتغير بصورة طبيعية على مدار اليوم، وفقًا لإيقاع الساعة البيولوجية، كما تتأثر بالنوم وتناول الطعام وتوقيت أخذ العينة. لذلك، لا تكفي قراءة واحدة للكورتيزول لدى شخص سليم للحكم على مقدار التوتر الذي يعاني منه.
قياس الكورتيزول لا يمثل مقياسًا مباشرًا للتوتر؛ لأن الهرمون يتغير بفعل عوامل متعددة، وقد لا تعكس نتيجة الاختبار المنفرد الحالة النفسية للشخص.
وهذا لا يعني أن فحوص الكورتيزول غير مهمة، بل إن استخدامها ينبغي أن يرتبط بتقييم طبي عند الاشتباه في اضطراب هرموني، وليس بمجرد الرغبة في معرفة مستوى التوتر أو تفسير أعراض عامة مثل التعب وزيادة الوزن.
وجه الكورتيزول وبطن الكورتيزول.. ما الحقيقة؟
تستخدم بعض المنشورات تعبيرات مثل «وجه الكورتيزول» و«بطن الكورتيزول» لتفسير تغيرات المظهر أو تراكم الدهون، لكن هذه الأوصاف المنتشرة على الإنترنت لا تكفي لتشخيص ارتفاع الهرمون.
فقد تنتج التغيرات في الوزن وشكل الوجه والبطن عن عوامل كثيرة، منها نمط التغذية، وقلة الحركة، واضطرابات النوم، وبعض الأدوية والحالات الصحية. ولا يمكن تحديد السبب اعتمادًا على المظهر وحده.
وفي المقابل، قد يؤدي الارتفاع المستمر وغير الطبيعي للكورتيزول نتيجة حالات مرضية معينة إلى أعراض تستدعي التقييم الطبي، وقد يحتاج الطبيب إلى فحوص متخصصة لتحديد السبب. لذلك، فإن الاشتباه في وجود اضطراب هرموني يختلف عن الرغبة في خفض الكورتيزول لمجرد الشعور بالإجهاد.
عادات يومية تساعد على التعامل مع التوتر
بدلًا من الانشغال بمحاولة خفض الكورتيزول بأي وسيلة، يوصي التقرير بالتركيز على عادات تدعم الصحة العامة وتساعد الجسم على الحفاظ على إيقاعه الطبيعي.
1. تنظيم النوم والاستيقاظ
الحصول على قسط كافٍ من النوم والالتزام بمواعيد منتظمة للنوم والاستيقاظ يساعدان على دعم الساعة البيولوجية. وتوصي الدكتورة لميس حمدان، المتخصصة في طب نمط الحياة، بمحاولة النوم قبل الساعة الحادية عشرة مساءً، والاستيقاظ في الموعد نفسه يوميًا، مع استهداف نحو 8 ساعات من النوم للبالغين، وفقًا للاحتياجات الفردية.
ولا تقتصر أهمية النوم على تنظيم الهرمونات، بل تمتد إلى تحسين التركيز والمزاج والقدرة على التعامل مع الضغوط.
2. هل يجب التوقف عن شرب القهوة؟
لا يحتاج الجميع إلى الامتناع عن القهوة بهدف التحكم في الكورتيزول. لكن إذا كان الكافيين يزيد الشعور بالقلق أو يسبب خفقان القلب أو يؤثر في النوم، فقد يكون من المفيد تقليل الكمية أو تناول القهوة في وقت مبكر من اليوم.
ويمكن لبعض الأشخاص اختيار الشاي الأخضر أو الماتشا بديلًا، مع الانتباه إلى أن كليهما يحتوي أيضًا على الكافيين، وأن الاستجابة للمشروبات تختلف من شخص إلى آخر.
3. لا تتوقف عن ممارسة الرياضة بسبب الكورتيزول
قد تؤدي التمارين الرياضية إلى ارتفاع مؤقت في مستوى الكورتيزول، لكن هذا التغير الطبيعي لا يعني أن النشاط البدني ضار أو أنه ينبغي تجنبه. فالرياضة المنتظمة قد تدعم النوم والمزاج والصحة العامة.
والأهم هو اختيار مستوى من النشاط يتناسب مع القدرة البدنية، والحصول على الراحة الكافية، وتناول الغذاء الذي يلبي احتياجات الجسم. وإذا صاحب التمرين إرهاق مستمر، فقد يكون تقليل شدة التدريب أو مدته أكثر ملاءمة من التوقف التام عن الحركة.
4. اهتم بالتغذية بدلًا من مطاردة أطعمة سحرية
ازداد الاهتمام بالأطعمة الغنية بالعناصر الغذائية وبالأنظمة الغذائية التي توصف بأنها مضادة للالتهابات، باعتبارها وسائل للمساعدة على تحسين الصحة والتعامل مع التوتر.
ويمكن الاستفادة من هذا الاهتمام من خلال تناول وجبات متوازنة ومتنوعة، تضم الخضراوات والفواكه ومصادر البروتين والحبوب الكاملة والدهون الصحية، بدلًا من الاعتماد على مشروب أو طعام بعينه باعتباره وسيلة مضمونة لخفض الكورتيزول.
ولا توجد أدلة كافية تبرر التعامل مع وصفة غذائية واحدة باعتبارها حلًا يناسب الجميع، كما أن تقييد الطعام بشدة أو اتباع أنظمة غير مناسبة قد يضر بالصحة بدلًا من تحسينها.
هل تساعد مكملات الأشواغاندا على خفض الكورتيزول؟
تُسوَّق الأشواغاندا، وهي عشبة تُستخدم في بعض المستحضرات والمكملات الغذائية، للمساعدة على تخفيف التوتر وتحسين النوم، وتشير بعض الدراسات إلى نتائج واعدة بشأن فوائدها المحتملة.
لكن الأدلة ليست متسقة في جميع الدراسات، ولا يمكن افتراض أن خفض الكورتيزول يؤدي بالضرورة إلى تراجع الشعور بالتوتر. كذلك، فإن المكملات الغذائية ليست خالية من المخاطر، وقد تتداخل مع بعض الأدوية أو لا تناسب أشخاصًا لديهم حالات صحية معينة.
لذلك، يُفضل استشارة الطبيب أو الصيدلي قبل تناولها، خصوصًا عند استخدام أدوية أخرى، بدلًا من الاعتماد على ادعاءات التسويق وحدها.
متى تحتاج إلى فحص الكورتيزول؟
إذا استمر الإرهاق أو ظهرت تغيرات غير مفسرة في الوزن أو أعراض أخرى تثير القلق، فمن الأفضل مراجعة الطبيب لتقييم الحالة كاملة، بدلًا من افتراض أن الكورتيزول هو السبب.
ويحدد الطبيب الحاجة إلى الفحص ونوعه وتوقيته وفقًا للأعراض والتاريخ الصحي والاشتباه في وجود مشكلة هرمونية. أما الاختبارات المنزلية التي تُسوَّق لقياس مستويات الهرمون أو تتبع تغيراته، فلا ينبغي أن تحل محل التقييم الطبي، خاصة إذا كانت نتائجها تُفسَّر بعيدًا عن السياق الصحي للشخص.
لابد من الاهتمام بالنوم المنتظم، والتغذية المتوازنة، والنشاط البدني المناسب، وتقليل مصادر الضغط اليومية، قد يكون أكثر فائدة من الانشغال بمطاردة رقم معين للكورتيزول لدى الأشخاص الأصحاء، مع ضرورة عدم تجاهل الأعراض التي تستدعي فحصًا طبيًا.






