شهد معهد الوفد للدراسات السياسية والاستراتيجية بمقر حزب الوفد، إلقاء محاضرتين لكل من الدكتور المهندس حسام الدين علي، القيادي السياسي والخبير في إدارة الأزمات والمخاطر، والكاتب والباحث الدكتور هاني لبيب، صاحب المؤلفات المتخصصة في قضايا المواطنة والإعلام والتربية المدنية والتوعية الانتخابية، وذلك بهدف إعداد وتأهيل كوادر شابة قادرة على المشاركة الفاعلة في العمل العام والإدارة المحلية.
وأكد الدكتور المهندس حسام الدين علي، القيادي السياسي والخبير في إدارة الأزمات والمخاطر، أن التفاوض السياسي مهارة أساسية لبناء التوافق وتحقيق المصلحة العامة، مشددًا على أهمية امتلاك السياسي القدرة على إدارة الحوار، وتحديد المصالح، وتقديم التنازلات المحسوبة للوصول إلى نتائج عملية تخدم المواطنين.
فعاليات معهد الدراسات السياسية بالوفد
جاء ذلك خلال مشاركته في فعاليات البرنامج الوطني لإعداد كوادر المحليات، الذي ينظمه معهد الوفد للدراسات السياسية والاستراتيجية، تحت رعاية الدكتور السيد البدوي شحاتة، رئيس حزب الوفد، وبإشراف النائبة الدكتورة مارجريت عازر، نائب عميد المعهد، بهدف إعداد وتأهيل كوادر شابة قادرة على المشاركة الفاعلة في العمل العام والإدارة المحلية.
وخلال المحاضرة السابعة للبرنامج، استعرض حسام الدين علي أصول التفاوض السياسي ومهاراته، وتطبيقاته في التاريخ المصري والعمل الحزبي، إلى جانب عدد من الاستراتيجيات العملية التي يمكن للمرشحين وأعضاء المجالس المحلية الاستفادة منها في التعامل مع المسؤولين ومختلف الأطراف.
واستهل حديثه بالإعراب عن سعادته بالتواجد داخل حزب الوفد، الذي وصفه بأنه أحد الأحزاب المرتبطة بتاريخ السياسة المصرية وفكرة التفاوض والعمل السياسي، مشيرًا، على سبيل الدعابة، إلى أن الحديث عن التفاوض أمام الوفديين يشبه «بيع المية في حارة السقايين».
وأوضح أن الهدف من المحاضرة لا يقتصر على نقل المعلومات النظرية، بل يمتد إلى تبادل الخبرات السياسية والميدانية، وتأصيل ثقافة التفاوض على المستوى الوطني، ثم تطبيقها عمليًا في العمل المحلي.
التفاوض بين المبادئ والواقع السياسي
وأشار حسام الدين علي إلى ما وصفه بنقص ممارسة التفاوض الفعلي لدى بعض السياسيين، موضحًا أن التمسك بالمواقف والمبادئ بصورة جامدة قد يؤدي إلى رفض الحوار، بينما يحتاج العمل السياسي إلى فهم الواقع والبحث عن مساحات مشتركة.
وأكد أن السياسي الحقيقي يدرك أن التفاوض يصبح ضرورة عندما يعجز أي طرف عن حسم الصراع لمصلحته بالكامل، ويكون الحل في الوصول إلى منطقة وسط من خلال التنازلات المتبادلة.
وضرب مثالًا بالمطالبة بالإفراج عن المحبوسين احتياطيًا، موضحًا أن المطالبات الحقوقية قد تركز على الإفراج الكامل والفوري، بينما يمكن للسياسي اتباع مسار تفاوضي تدريجي يبدأ بالإفراج عن أعداد محددة، وصولًا إلى نتائج أوسع، مع مراعاة حسابات الأطراف المختلفة.
وشدد على أن التنازل ليس ضعفًا بالضرورة، بل قد يمثل وسيلة لتحقيق مكاسب عملية، إذا جرى توظيفه بصورة مناسبة، مؤكدًا أن «فن الممكن» يمثل أحد أسس العمل السياسي.
دروس التفاوض في التاريخ المصري
واستعرض المحاضر عددًا من التجارب التاريخية، موضحًا أن تجربة سعد زغلول وتأسيس الوفد عقب الحرب العالمية الأولى تقدم درسًا مهمًا بشأن ضرورة امتلاك المفاوض سندًا شعبيًا قويًا ومطالب حقيقية نابعة من الشارع، بما يمنحه القدرة على الضغط وتحقيق أهدافه.
كما تناول مفاوضات معاهدة 1936 في عهد مصطفى باشا النحاس، مشيرًا إلى التداخل بين المصالح البريطانية المتعلقة بحماية قناة السويس وخطوط الاتصال، والمطالب المصرية المرتبطة بجلاء القوات البريطانية عن أغلب الأراضي المصرية وتمركزها في منطقة القناة.
وانتقل إلى تجربة الرئيس الراحل أنور السادات، موضحًا أن زيارته إلى القدس عام 1977 مثلت استخدامًا لما وصفه بـ«تكنيك الصدمة» لكسر الجمود وتحريك مسار التسوية. كما أشار إلى دور الوسيط الأمريكي خلال مفاوضات كامب ديفيد التي استمرت 13 يومًا في سبتمبر 1978، وما شهدته من مناقشات حول الحدود والقوات والنفط والمستوطنات.
وتناول كذلك عددًا من المحطات السياسية الحديثة، منها دعوة اللواء عمر سليمان للأحزاب إلى التفاوض خلال ثورة 25 يناير، واستفتاء مارس 2011، ووثيقة علي السلمي، معتبرًا أن غياب التوافق المبكر في بعض هذه المحطات حدّ من فرص الوصول إلى تفاهمات بين الأطراف المختلفة.
كما أشار إلى الحوار الوطني الذي انطلق عام 2022 واستمرت فعالياته خلال 2023، موضحًا أنه أتاح مساحات للتواصل المباشر، وأسهم، بحسب تقييمه، في تخفيف الاحتقان وكسر جانب من الجمود بين المعارضة والسلطة.
استراتيجيات التفاوض في العمل المحلي
وفي الجانب التطبيقي، شرح حسام الدين علي نمطين أساسيين للتفاوض، هما التفاوض التعاوني والتفاوض التوزيعي، مستعينًا بمثال افتراضي لميزانية تبلغ 500 ألف جنيه مخصصة لأحد الأحياء.
وأوضح أن التفاوض التعاوني يقوم على توسيع المنافع وتحقيق مكاسب مشتركة، من خلال بناء شراكات مع الشركات والجمعيات والوزارات، بما يسمح بزيادة الموارد وتحسين الخدمات، مثل رفع قيمة المشروعات المستفاد منها إلى 800 ألف جنيه عبر التعاون مع جهات إضافية.
أما التفاوض التوزيعي، فيتعامل مع الموارد باعتبارها محدودة وثابتة، ويقوم على تقسيمها بين الأطراف وخفض المطالب للوصول إلى اتفاق.
وأكد أهمية اعتماد الأسلوب التعاوني في العمل السياسي والمحلي، نظرًا لاستمرار العلاقات بين أعضاء المجالس والمسؤولين والشركاء، مشددًا على ضرورة تهيئة المناخ المناسب قبل الاجتماعات، وتجنب التصريحات الاستفزازية، وتحديد سقف المطالب والحد الأدنى المقبول مسبقًا.
وضرب مثالًا بالمطالبة بتركيب 20 عمود إنارة، مع تحديد حد أدنى يمكن قبوله يتراوح بين 8 و10 أعمدة، إلى جانب إعداد خطط بديلة تحسبًا لتعثر المفاوضات.
من جانبه، أكد العميد محمد سمير، مساعد رئيس حزب الوفد، أهمية التأهيل العلمي ومهارات التواصل الفعال في العمل السياسي، مشيرًا إلى وجود نقص في هذه المهارات لا يقتصر على المبتدئين، بل يمتد، بحسب ما ذكر، إلى بعض القادة والمسؤولين. وشدد على أن العلم والتعلم يساعدان السياسي على تحقيق أهدافه وتجنب الأخطاء والعثرات.
وفي المحاضرة الثامنة والأخيرة، قدم الكاتب والباحث الدكتور هاني لبيب، صاحب المؤلفات المتخصصة في قضايا المواطنة والإعلام والتربية المدنية والتوعية الانتخابية، تحت عنوان «التنمية المحلية ورؤية 2030»، تعقبتها جلسة ختامية لإعلان نتائج البرنامج وتوصياته المستقبلية.
وأكد لبيب في مستهل كلمته اعتزازه بالتواجد في حزب الوفد، مفضلًا اعتماد أسلوب الحوار التفاعلي لتفكيك وضبط المفاهيم والمصطلحات الأساسية الحاكمة للإدارة المحلية قبل التطرق للخطط التنموية.
تأصيل مفاهيم الإدارة المحلية وفلسفة اللامركزية والمشاركة الشعبية
واستعرض الدكتور هاني لبيب الإطار المفهومي للإدارة المحلية بوصفها أحد أشكال التنظيم الإداري ضمن النظام السياسي المصري، والتي تمنح صلاحيات قانونية محددة ضمن النطاق الجغرافي للوحدات المحلية على مستوى المحافظة أو المركز أو المدينة أو الحي أو القرية. وأوضح أن فلسفة الإدارة المحلية ترتكز على ركنين أساسيين؛ أولهما اللامركزية المتمثلة في توزيع الاختصاصات والمسؤوليات بين الحكومة والوحدات المحلية، وثانيهما المشاركة الشعبية التي تتيح للمواطنين الإسهام المباشر في صناعة القرار وتحديد الاحتياجات اليومية، مثل المطالبات بإنشاء المطبات الصناعية أو النقاط الصحية والحديثة مرورية.
وأكد المحاضر أن المجالس الشعبية المحلية تُعد المدرسة الأولى للمشاركة السياسية والرقابة المباشرة، لكونها تمس مصالح المواطن اليومية في نطاقه الجغرافي.
وتطرق لبيب إلى التطور التاريخي للإدارة المحلية في مصر، مشيرًا إلى تحولها من إدارة تقليدية مركزية إلى إطار مؤسسي يتبع وزارة متخصصة تقسم النطاقات الجغرافية وتوضح المسؤوليات، مع التنويه إلى أن الدستور المصري أقر اللامركزية وانتخاب المجالس المحلية ومنحها صلاحيات رقابية صريحة.
الأدوار الرئيسية للمجالس المحلية والفصل بين النائب البرلماني وعضو المحليات
وحدد لبيب ثلاثة أدوار رئيسية ومحورية للمجالس الشعبية المحلية؛ تشمل الدور الرقابي المعني بمتابعة أداء الأجهزة التنفيذية ومراقبة جودة المرافق والخدمات العامة كالمياه والكهرباء والصرف الصحي والتعليم والوحدات الصحية ومتابعة الجدول الزمني لتنفيذ المشروعات، والدور التنموي المختص بترتيب أولويات التنمية والتعبير عن الاحتياجات المباشرة للمجتمع المحلي، والدور المجتمعي الذي يعمل كجسر تواصل مباشر بين الأجهزة التنفيذية والمواطنين لدعم المشاركة المجتمعية.
وشدد لبيب على ضرورة الفصل التام بين دور عضو المجلس المحلي ودور نائب البرلمان، موضحًا أن تراجع المجالس المحلية سابقًا أدى إلى سحب البرلمانيين إلى أدوار خدمية فردية وحمل المذكرات والطلبات لدى الوزارات والجهات التنفيذية، وهو نموذج «نائب الشنطة» الذي يتنافى مع الدور الأصيل للنائب البرلماني المتمثل في التخطيط والرقابة السياسية العامة على أداء الحكومة والتشريع، بينما تظل الخدمات والرقابة المباشرة داخل النطاق الجغرافي اختصاصًا أصيلًا وحصريًا لأعضاء المجالس المحلية.
محاور رؤية مصر 2030 والأركان الأربعة لتحسين جودة الحياة
وربط المحاضر بين عمل الإدارة المحلية وأهداف رؤية مصر 2030، موضحًا أن الهدف الجوهري للرؤية يتلخص في تحسين جودة حياة المواطن المصري عبر أربعة أركان متكاملة: التنمية المتوازنة، وذلك عبر تنفيذ خطط تدريجية تتكامل فيها مشاريع مياه الشرب والصرف الصحي مع الخدمات الصحية والتعليمية دون إهمال أي جانب، والتنمية الاقتصادية المحلية، وذلك من خلال جذب الاستثمارات ودعم المشروعات الصغيرة وتطوير البنية الأساسية واستغلال الميزات التنافسية لكل منطقة وتوطين الحرف والصناعات المحلية (مثل زراعة الياسمين، وصناعات الفخار، والسجاد اليدوي، والنسيج، وصناعة الأثاث في دمياط) لتحويل القرى والمراكز إلى بؤر استثمارية إنتاجية.
- مصر تدين استهداف محطة كهرباء بالمدينة المنورة في المملكة العربية السعودية
- محمد موسى: المعارضة الإسرائيلية تتوحد لإسقاط نتنياهو وتستعد للانتخابات
- خبير سياسي: إسقاط حكومة نتنياهو أصبح هدفًا مشتركًا بين قوى المعارضة الإسرائيلية
- قصة الـ6 المقبوض عليهم في «متصدقش».. محمد موسى يرصد التفاصيل
- ثروت الخرباوي: «متصدقش» لا تستهدف نشر كذبة واحدة.. الهدف خلق حالة من عدم الثقة


















0 تعليق