سبيل وكتاب عبد الرحمن كتخدا، عمارة تجمع الماء والعلم والزخرفة بشارع المعز (فيديو)

منذ ساعة

في قلب القاهرة التاريخية، يقف سبيل وكتاب عبد الرحمن كتخدا  نموذجًا لافتًا لعمارة القرن الثامن عشر، حيث اجتمعت وظيفة توفير مياه الشرب مع التعليم والزخرفة داخل مبنى واحد. 

شيده الأمير عبد الرحمن كتخدا عام 1157هـ/1744م، ليصبح أحد المعالم المميزة في منطقة شارع المعز لدين الله الفاطمي.

لا يلفت المبنى النظر بحجمه بقدر ما يلفت بتنوع تفاصيله؛ فالحجر في الواجهات، والرخام والنحاس في عناصر السبيل، والقاشاني في الداخل، والخشب في الكُتّاب، تتجاور جميعها في تكوين واحد يعكس ثراء العمارة الإسلامية في القاهرة.

ثلاث واجهات.. ووظيفة واحدة

يتكون السبيل من حجرة رئيسية للتسبيل، تطل على الخارج من خلال ثلاث واجهات حجرية، تحتوي كل منها على شباك مخصص لتوزيع المياه على المارة. وتغطي الشبابيك مصبعات نحاسية دقيقة، بينما تتقدمها عناصر رخامية كانت مرتبطة بوظيفة تقديم مياه الشرب.

ويجمع تصميم الواجهات بين البساطة الوظيفية والعناية بالتفاصيل؛ فالعقود الحجرية والأعمدة الرخامية تمنح الشبابيك إطارًا معماريًا واضحًا، فيما تضيف المشغولات النحاسية طبقة زخرفية إلى الواجهة.

أما المدخل الرئيسي، فيقع بالجهة المطلة على شارع التمبكشية، ويأتي داخل حجر غائر يعلوه عقد مفصص. وفوق المدخل لوحة تأسيسية تحمل أبياتًا شعرية تتضمن اسم المنشئ وتاريخ إنشاء المبنى بحساب الجمل، إلى جانب دائرة تضم أسماء أصحاب الكهف.

القاشاني.. زخرفة تحمل ذاكرة المكان

داخل حجرة التسبيل تظهر واحدة من أكثر سمات المبنى تميزًا؛ جدران مزينة ببلاطات القاشاني ذات الألوان الزرقاء والخضراء والزخارف النباتية، في حضور واضح للتأثيرات العثمانية التي ظهرت في زخارف العمارة المصرية خلال تلك الفترة.

أما الأرضية، فتستكمل المشهد باستخدام الرخام الملون في تكوينات هندسية دقيقة، بما يخلق تباينًا بين برودة الحجر وإيقاع الزخارف الخزفية على الجدران.

الصهريج.. البنية الخفية وراء السبيل

أسفل حجرة التسبيل يوجد صهريج لتخزين المياه، وهو جزء أساسي من منظومة السبيل التي صُممت لتوفير مياه الشرب للمارة.

وجود الصهريج أسفل المبنى يكشف جانبًا عمليًا من العمارة؛ فالمشهد الزخرفي الذي يراه الزائر من الخارج والداخل يخفي وراءه بنية وظيفية كاملة مرتبطة بتخزين المياه وتقديمها للناس.

وهكذا لم يكن السبيل مجرد واجهة جميلة، وإنما منشأة خُططت تفاصيلها لتؤدي وظيفة اجتماعية مباشرة في الحياة اليومية لسكان القاهرة.

الكُتّاب.. التعليم فوق حجرة المياه

فوق السبيل يأتي الكُتّاب، المخصص لتعليم الأطفال، في تكوين معماري مفتوح تحيط به عناصر خشبية ومشربيات تسمح بمرور الضوء والهواء.

وتظهر المشربيات والخشب الخرط في فتحاته وأروقته، بينما تضيف الأعمدة الرخامية إلى التكوين خفة بصرية تتناسب مع طبيعة الطابق العلوي.

أما الأسقف الخشبية الملونة والمزخرفة، فتمنح الكُتّاب طابعًا زخرفيًا خاصًا، وتكشف عن عناية واضحة بتفاصيل المكان حتى في العناصر التي تقع بعيدًا عن الواجهة الرئيسية.

بين المملوكي والعثماني

تكمن خصوصية سبيل وكتاب عبد الرحمن كتخدا في هذا الجمع بين أكثر من لغة معمارية؛ صرامة الحجر والعقود والأعمدة من جهة، والزخارف القاشانية والمشغولات الخشبية والنحاسية من جهة أخرى.

وفي مساحة واحدة، اجتمعت ثلاث وظائف أساسية: الماء للشرب، والتعليم، وتخزين المياه، بينما تحولت التفاصيل المعمارية إلى جزء من هوية المبنى البصرية.

لذلك لا تُقرأ قيمة السبيل والكتاب باعتباره مبنى أثريًا مزخرفًا فحسب، وإنما باعتباره نموذجًا لعمارة صممت لتخدم الإنسان، ثم أضافت إلى وظيفتها اليومية طبقات من الفن والزخرفة جعلت منها واحدة من العلامات البارزة في القاهرة التاريخية.

✎

فريق تحرير العرب الاخبارية

فريق التحرير في العرب الاخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق