50 عامًا في مهنة البحث عن المتاعب (3 ـ 6)

منذ ساعة

لا أنسى أبدًا  البدايات الأولى في رحلة الكفاح  في مهنة الصحافة، والتي أرى أن أهم عناوينها: من الأوتوبيس إلى رئاسة مجلس إدارة دار التحرير (جريدة الجمهورية). لم أدخل الصحافة بحثًا عن منصب، ولم يخطر ببالي يومًا أن الطريق الذي بدأ بمحرر شاب يستقل الأتوبيس كل صباح إلى إحدى الوزارات بحثًا عن خبر، سينتهي بي إلى رئاسة مؤسسة صحفية عريقة.

كنت أبحث عن الخبر لا عن الكرسي. عن متعة الوصول إلى المعلومة قبل غيري، وعن تلك اللحظة الصغيرة التي يرى فيها الصحفي اسمه تحت موضوع يعرف أنه بذل من أجله جهدًا، وربما ترك أثرًا. كانت الصحافة في بداياتي مهنة لها رائحة خاصة؛ رائحة الورق والحبر، وضجيج المطابع، وقلق الساعات الأخيرة قبل صدور العدد. وكان الخبر بالنسبة إلى الصحفي الشاب أشبه بصيد ثمين، لا قيمة له إذا سبقه إليه الآخرون.

ومضت السنوات، وانتقلت من محرر إلى رئيس قسم، ثم نائب لرئيس التحرير، ثم نائب أول، ثم رئيس للتحرير، إلى أن وصلت عام 2009 إلى رئاسة مجلس إدارة دار التحرير للطبع والنشر. كانت رحلة طويلة، لكنها لم تكن رحلة وراء المناصب بقدر ما كانت رحلة وراء المهنة.

ولهذا لم أخجل يومًا من القول إنني كنت سعيدًا جدًا وأنا محرر. وظلت سعادتي بالعمل حاضرة وأنا رئيس قسم، ثم نائبًا لرئيس التحرير. أما عندما أصبحت رئيسًا لمجلس الإدارة، فقد اكتشفت أن السعادة ليست بالضرورة حيث يراها الناس.

فالمنصب، مهما بدا براقًا من الخارج، له وجه آخر لا يراه كثيرون. قرارات، ومسؤوليات، وحسابات، ومصالح متشابكة، وأحيانًا قرارات تعرف أنها ضرورية، لكنها ثقيلة على النفس. هناك، في تلك المنطقة الفاصلة بين السلطة والمسؤولية، تعلمت درسًا ظل معي: كلما ارتفع الإنسان في سلم المناصب، اتسعت دائرة المسؤولية وضاق هامش الراحة.

وكان اختياري رئيسًا للمؤسسة مفاجأة لي. لم أكن عضوًا في الحزب الوطني، ولا في لجنة سياساته. لكنني علمت لاحقًا أن الراحل صفوت الشريف، رئيس مجلس الشورى آنذاك، كان يتابع أداءي من بعيد، خصوصًا ما يتصل بالمساهمة في زيادة دخل المؤسسة، ونجاح «كتاب الجمهورية» الذي استطعت تحويله من مصدر خسارة إلى مصدر مكسب كبير.

وفوجئت ذات يوم باتصال منه. طرح عليّ أسئلة كثيرة عن تطوير المؤسسة، وكيف يمكن التعامل مع رؤساء تحرير يكبرونني سنًا، وإمكانية ضم جريدة «الرأي» إلى المؤسسة. ثم أنهى المكالمة بكلمات واضحة: الأمر سري، واعتبر أن هذه المكالمة لم تحدث، لأن موضوع تعييني رئيسًا لمجلس الإدارة كان لا يزال معروضًا على الرئيس مبارك.

وبعدها صدر القرار. وأبلغني به مبكرًا الدكتور مفيد شهاب، رحمه الله رحمة واسعة. دخلت مكتب رئيس مجلس الإدارة، لكنني لم أشعر أنني دخلت محطة الوصول. على العكس، شعرت أن الطريق أصبح أكثر ثقلًا، وأن القلم الذي حملته سنوات طويلة لم يعد وحده في يدي؛ صارت معه مؤسسة كاملة، وعاملون، وقرارات، ومسؤوليات.

ومع ذلك، مضت التجربة. واستطاعت المؤسسة أن تحقق أرباحًا في النشاط الجاري خلال العامين اللذين توليت فيهما المسؤولية. لكن السنوات لا تسير دائمًا وفق ما نخطط لها. جاءت أحداث يناير، وتغير المشهد كله. تبدلت الوجوه، واضطربت المؤسسات، وانتشرت الفوضى، وتصاعدت المطالبات بتغيير القيادات الصحفية التي عينها مبارك، وكنت واحدًا منها.

عندها أدركت أن المنصب الذي ظننته يومًا نهاية الطريق، لم يكن سوى محطة أخرى في رحلة أطول. رحلة ستعلمني أن الكراسي لا تختبر أصحابها فقط، بل تختبر قدرتهم على معرفة متى يجلسون عليها، ومتى يتركونها. وربما كانت تلك هي المفارقة التي لم أكن أعرفها يوم بدأت: أن الطريق إلى المنصب قد يكون طويلًا، لكن الطريق إلى مغادرته بضمير مرتاح قد يكون أطول.

✎

فريق تحرير العرب الاخبارية

فريق التحرير في العرب الاخبارية — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق