نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
خفض الأسعار.. علاج الأعراض أم الأمراض؟, اليوم الأحد 19 يوليو 2026 02:15 مساءً
حين وجَّه الرئيس السيسي بتشكيل لجنة لخفض الأسعار أثناء افتتاحه الكبتاجون أو مقر القيادة الاستراتيجية، رحب المواطن بالخطوة، لكنه ظل يحمل سؤالًا أكبر: هل يمكن أن تنخفض الأسعار بينما أسباب ارتفاعها ما زالت قائمة؟
الحقيقة أن الأسعار ليست المشكلة، بل هي النتيجة الأخيرة لسلسلة تبدأ بالإنتاج، وسعر الصرف، وتكلفة الطاقة، وسعر الفائدة، ثم تنتهي عند المستهلك. لذلك فإن خفض الأسعار بقرار إداري قد ينجح مؤقتًا، لكنه لا يصنع استقرارًا دائمًا.
يقرر القرآن قاعدة لا تتغير: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، وهي قاعدة تنطبق على الأفراد كما تنطبق على الدول؛ فلا تتغير النتائج ما لم تتغير الأسباب. ولعل السؤال الذي يستحق أن يُطرح على صانع القرار هو: هل نعالج الأسعار.. أم نعالج تكلفة إنتاجها؟
لو استمعنا إلى ثلاثة خبراء، لوجدناهم يختلفون في التفاصيل ويتفقون في النتيجة. فالاقتصادي يقول: لا استقرار للأسعار دون زيادة الإنتاج المحلي. وخبير المالية يقول: لا حماية للمواطن إذا استنزفت خدمة الدين جانبًا كبيرًا من موارد الدولة. أما خبير التنمية فيؤكد أن اللجان تُدير الأزمات، لكنها لا تبني اقتصادًا، فالاقتصاد القوي يبنى بالمصنع والمزرعة والتكنولوجيا، لا بالقرارات وحدها.
ولنا في التجارب الدولية عبرة. فماليزيا بعد أزمة 1997 لم تبدأ بحملات لخفض الأسعار، بل أعادت هيكلة اقتصادها وزادت الإنتاج. والبرازيل كبحت التضخم بالانضباط المالي مع دعم الزراعة والصناعة. أما كوريا الجنوبية فاستثمرت في الإنسان والإنتاج حتى أصبح نمو الدخل هو الضامن الحقيقي لاستقرار الأسواق.
وهنا تظهر النقطة الغائبة؛ فالمواطن لا ينتظر أن ينخفض سعر كيلو سكر جنيهًا أو جنيهين، بقدر ما ينتظر أن يصبح راتبه قادرًا على شراء احتياجات أسرته بكرامة. قال رسول الله ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، وهي قاعدة تجعل نجاح السياسات مرهونًا بأثرها في حياة الناس، لا بعدد القرارات الصادرة.
وقال ابن خلدون: "اعلم أن كثرة الجباية من أسباب خراب العمران".. وهي حكمة تؤكد أن الاقتصاد يزدهر حين يتوسع الإنتاج، لا حين تتزايد الأعباء على المنتج والمستهلك.
ويبقى أمام صانع القرار عدة أسئلة: هل الأولوية اليوم لزيادة الإنتاج أم لإدارة الأسواق؟ وهل يمكن تقليل الاعتماد على الواردات بتوسيع التصنيع والزراعة؟ وهل يشعر المواطن بثمار النمو الاقتصادي في دخله الحقيقي؟ وهل نحتاج إلى لجان أكثر.. أم إلى إصلاحات أعمق؟
إن الأسواق لا تستقر بالرقابة وحدها، ولا بالوعود وحدها، وإنما بثقة الناس في الاقتصاد، وثقة المستثمر في السياسات، وقدرة المواطن على العيش من ثمرة عمله.
ولهذا فإن خفض الأسعار ينبغي أن يكون ثمرةً للإصلاح، لا بديلًا عنه. فإذا قوي الإنتاج، واستقرت العملة، وتحسنت الإنتاجية، انخفضت الأسعار تلقائيًا، وارتفعت القوة الشرائية، واستغنت الدولة عن اللجان الاستثنائية. فالسياسات الرشيدة لا تُقاس بسرعة إطفاء الحرائق، وإنما بقدرتها على منع اندلاعها من الأساس.


















0 تعليق