نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
رفعت فياض يكتب: الإدارية العليا تنتصر للدور العلمي للجامعة في حكم تاريخي، لا سلطان على أي جامعة في تقدير درجات الطلاب، ولا عودة لانتداب خبراء من الخارج لإعادة التصحيح, اليوم الثلاثاء 23 يونيو 2026 05:08 مساءً
في حكم قضائي من أبرز الأحكام الصادرة في مجال المنازعات الجامعية خلال السنوات الأخيرة، أرست دائرة توحيد المبادئ بالمحكمة الإدارية العليا، برئاسة المستشار عبد السلام عبد المجيد عبد السلام رئيس مجلس الدولة، وعضوية عشرة من نواب رئيس مجلس الدولة، مبدأً قانونيًا بالغ الأهمية أعاد الأمور إلى نصابها الصحيح، وصان استقلال المؤسسة الجامعية في أداء رسالتها العلمية والأكاديمية، وأغلق بابًا واسعًا من المنازعات التي كانت تُهدد استقرار النتائج الدراسية والمراكز القانونية للطلاب والخريجين.
وقد صدر هذا الحكم التاريخي في الطعن رقم 82413 لسنة 71 قضائية عليا، المقام من رئيس جامعة المنصورة بصفته، طعنًا على الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري بالمنصورة في الدعوى رقم 25512 لسنة 41 قضائية بجلسة 9 يوليو 2025.
قضية تجاوزت حدود النزاع الفردي
لم تكن القضية مجرد خلاف بين طالبة وجامعتها حول درجات مادتين دراسيتين، وإنما طرحت أمام المحكمة الإدارية العليا سؤالًا جوهريًا يتعلق بحدود الرقابة القضائية على أعمال التصحيح الجامعي: هل يجوز للقضاء الإداري أن يعهد إلى خبراء من خارج الجامعة بإعادة تصحيح أوراق الإجابة وتقدير الدرجات المستحقة للطالب؟ أم أن ذلك يدخل في نطاق السلطة العلمية والفنية الخالصة لأعضاء هيئة التدريس والجهة الأكاديمية المختصة؟
لقد شهد الواقع العملي خلال السنوات الماضية تزايدًا ملحوظًا في هذا النوع من الدعاوى، حيث كان بعض الطلاب أو أولياء أمورهم يلجأون إلى القضاء الإداري مطالبين بإعادة تصحيح أوراق الإجابة بواسطة خبراء من خارج الجامعة، بعد التشكيك في تقديرات أستاذ المادة، حتى في الحالات التي يكون فيها الفارق بين الطالب والدرجة النهائية لا يتجاوز درجة واحدة فقط.
ومع تكرار هذه الدعاوى، بدأت تظهر آثارها السلبية على استقرار العملية التعليمية والنتائج الجامعية، إذ كانت بعض الأحكام تؤدي إلى تعديل الدرجات بعد سنوات من إعلان النتائج، بما يترتب عليه إعادة ترتيب الطلاب وتغيير أوضاعهم القانونية، بل والتأثير أحيانًا على التعيينات الأكاديمية وفرص التوظيف والترقي العلمي.
بين اتجاهين قضائيين
وقد كشفت القضية عن وجود اتجاهين قضائيين داخل المحكمة الإدارية العليا:
الاتجاه الأول كان يجيز الاستعانة بخبير فني لإعادة فحص أوراق الإجابة وتقدير الدرجة التي يستحقها الطالب.
أما الاتجاه الثاني فكان يقصر دور القضاء على التحقق من سلامة إجراءات التصحيح ورصد الدرجات، دون التدخل في التقدير العلمي والموضوعي للإجابة.
وأمام أهمية المسألة وتأثيرها الواسع على المنظومة الجامعية، أُحيل الطعن إلى دائرة توحيد المبادئ للفصل فيه وإرساء المبدأ الواجب الاتباع.
انتصار للخبرة الأكاديمية
وانتهت دائرة توحيد المبادئ إلى ترجيح الاتجاه الثاني، مؤكدة أن تقدير صحة إجابات الطالب ومقدار الدرجة المستحقة له هو عمل فني وعلمي بحت يدخل في صميم اختصاص أعضاء هيئة التدريس والجهة الأكاديمية المختصة، ولا يجوز للقضاء الإداري أن يحل نفسه محل الأستاذ الجامعي في هذا التقدير.
فأستاذ المادة هو الأعلم بالمحتوى الذي قام بتدريسه، والأدرى بالأهداف التعليمية للمقرر، والأقدر على تقييم مدى استيعاب الطالب للمادة العلمية وفقًا للمعايير التي وُضعت للامتحان.
أما الخبير الذي يُنتدب من خارج الكلية أو الجامعة، مهما بلغت خبرته العلمية، فإنه لا يملك ذات الإحاطة التفصيلية بالسياق الأكاديمي للمقرر الدراسي، ولا بالمنهج الذي تم تدريسه، ولا بالمعايير التي استند إليها واضع الامتحان في تقييم الإجابات.
ومن ثم أكدت المحكمة أن رقابة القضاء الإداري يجب أن تقف عند حدودها المشروعة، فتتحقق من سلامة الإجراءات، وصحة رصد الدرجات، وخلو العملية من الأخطاء المادية أو الانحراف أو إساءة استعمال السلطة، دون أن تمتد إلى إعادة تقدير الإجابات أو منح درجات جديدة للطالب.
حماية لاستقرار المراكز القانونية
تكمن القيمة الحقيقية لهذا الحكم في أنه لم يقتصر على حسم نزاع فردي، وإنما حافظ على استقرار المراكز القانونية لآلاف الطلاب والخريجين.
فلو فُتح الباب لإعادة تقدير الدرجات عن طريق الخبراء في كل دعوى تظلم، لتحولت النتائج الجامعية إلى نتائج قابلة للتعديل المستمر، ولأصبح ترتيب الطلاب خاضعًا لسلسلة لا تنتهي من المنازعات القضائية، بما يهدد استقرار العملية التعليمية ويخل بمبدأ تكافؤ الفرص.
كما أن الواقع العملي شهد بالفعل حالات ترتب فيها على تعديل الدرجات بأحكام قضائية تغيير ترتيب الخريجين، وتأثر فرص التعيين في وظائف المعيدين وغير ذلك من المراكز القانونية التي استقرت لسنوات.
ومن هنا فإن الحكم جاء متسقًا مع مقتضيات الأمن القانوني واستقرار المعاملات وحماية الثقة المشروعة في النتائج الجامعية المعلنة.
دور مؤسسي جدير بالتقدير
ويستحق رئيس جامعة المنصورة بصفته التقدير على ما قام به من دور مؤسسي في الدفاع عن اختصاص الجامعة وسلطتها العلمية في التصحيح وإعلان النتائج.
فلم يكن الطعن دفاعًا عن مصلحة شخصية أو نزاع محدود النطاق، وإنما كان دفاعًا عن مبدأ مؤسسي يتعلق باستقلال الجامعات واختصاصها الأصيل في الشؤون الأكاديمية، وهو ما انتهى الحكم إلى تأكيده وترسيخه.
إن هذا الحكم التاريخي لا يعني بحال من الأحوال إهدار حق الطالب في التظلم أو مراجعة الإجراءات، وإنما يعيد التوازن بين حق الطالب في الرقابة القانونية وبين حق المؤسسة الأكاديمية في ممارسة اختصاصاتها العلمية دون تدخل في جوهر عملها الفني.
ومن ثم فإن المسؤولية أصبحت أكبر على الجامعات وأعضاء هيئة التدريس لضمان أعلى درجات الدقة والشفافية والموضوعية في أعمال التصحيح ورصد الدرجات.
ومن المستحسن التوسع في تطبيق نظم التصحيح الحديثة، وإعداد نماذج إجابة دقيقة وواضحة، والاعتماد على أكثر من مصحح كلما أمكن ذلك، فضلًا عن تطوير نظم التظلمات بما يحقق الشفافية ويطمئن الطلاب إلى حصولهم على كامل حقوقهم.
كما أن التوسع في الأسئلة الموضوعية، ووضع معايير تقييم محددة ومعلنة، من شأنه أن يقلل من فرص الخلاف ويعزز الثقة في نتائج الامتحانات.
إن دائرة توحيد المبادئ بالمحكمة الإدارية العليا قدمت بهذا الحكم نموذجًا رفيعًا في التوازن بين حماية الحقوق وصون الاختصاصات، وبين الرقابة القضائية واحترام استقلال المؤسسات الأكاديمية.
لقد انتصرت المحكمة للدور العلمي للجامعة، وأكدت أن تقدير الإجابات الامتحانية هو شأن أكاديمي خالص يباشره أهله المختصون، كما أغلقت بابًا كان يهدد استقرار النتائج الجامعية ويؤدي إلى اضطراب المراكز القانونية للطلاب والخريجين.
ومن ثم، فإن هذه الدائرة الموقرة تستحق كل التقدير على ما أرسته من مبدأ يحقق العدالة، ويحفظ الأمن القانوني، ويصون هيبة المؤسسة الجامعية ورسالتها العلمية، ويؤكد أن العدالة الحقيقية لا تتحقق فقط بمنح الحقوق، وإنما أيضًا باستقرارها وحمايتها من الاضطراب والتقلب.


















0 تعليق