في فيلم لمن يجرؤ للمخرجة اللبنانية دانيال عربيد، لا تبدو الحكاية مجرد علاقة حب تتحدى المجتمع، بقدر ما تتحول إلى محاولة لاستعادة الحياة وسط عالم مليء بالقيود والأحكام المسبقة. ومنذ المشاهد الأولى، يتضح أننا أمام مخرجة تمتلك رؤية بصرية خاصة، وتعرف جيدا كيف تستخدم المكان والموسيقى وأداء الممثلين لصناعة حالة إنسانية تتجاوز حدود الحكاية التقليدية. الفيلم لا يراهن فقط على جرأة العلاقة بين سوزان وعثمان، وإنما على التفاصيل الصغيرة التي تمنح هذه العلاقة صدقها، وتجعلنا نتعامل مع الشخصيات باعتبارها بشرا من لحم ودم، لا مجرد نماذج اجتماعية تحمل أفكارا يريد الفيلم الدفاع عنها.
من أكثر العناصر التي استوقفتني في الفيلم الاستخدام الواعي للموسيقى، وتحديدا توظيف اللحن الموسيقي لأغنية «ليالي الأنس في فيينا» لأسمهان، دون الاستعانة بصوتها الغنائي. وهو اختيار أراه ذكيا، لأن اللحن وحده كان كافيا لاستدعاء ذاكرة عاطفية وثقافية كاملة دون الحاجة إلى الكلمات. فالموسيقى هنا لا تشرح المشاعر بقدر ما تترك للمشاهد حرية استحضارها، وكأن اللحن يستدعي زمنا رومانسيا بعيدا يتقاطع مع رغبة سوزان في استعادة الحب والحياة. وفي المقابل يأتي توظيف «عصفور طالع من الشباك» بما يحمله من روح شعبية وألفة، ليفتح مساحة مختلفة من الحميمية والمرح، خاصة مع الارتباط بين اسم سوزان و«سوسو». هذا التنوع الموسيقي لم يكن مجرد تزيين للمشاهد، بل ساهم في تشكيل الحالة النفسية للشخصيات، وربط الذاكرة الفردية بالذاكرة الجماعية. وهنا تظهر براعة المخرجة في إدراك أن الموسيقى قد تقول أحيانا ما تعجز عنه الكلمات.
أما على مستوى اختيار الممثلين، فأعتقد أن الفيلم حقق واحدة من أهم نقاط قوته. لم أشعر بوجود شخصية خارج عالم العمل، سواء في الأدوار الرئيسية أو الثانوية. هناك وعي واضح بطبيعة كل شخصية، وبالطريقة التي تدخل بها إلى الأحداث، وبالمساحة التي تحتلها داخل المشهد. والأهم أن ردود الأفعال جاءت محسوبة وبعيدة عن المبالغة، وهي مسألة شديدة الأهمية في فيلم يتناول موضوعات كان من السهل أن تدفع الممثلين إلى الأداء الخطابي أو الانفعالات الزائدة. هيام عباس تقدم شخصية سوزان بحضور إنساني لافت، وتمنحها قدرا من الهدوء والصدق يجعلنا نصدق رغبتها في استعادة حقها في الحياة، دون أن تتحول الشخصية إلى مجرد رمز للتمرد. وفي المقابل، ينجح الممثل الذي يؤدي شخصية عثمان في خلق توازن داخل العلاقة، بينما تساعد الشخصيات المحيطة بهما على بناء المناخ الاجتماعي الضاغط دون أن تفقد خصوصيتها الإنسانية. ويحسب للمخرجة أيضا أنها لم تتعامل مع الشخصيات الثانوية باعتبارها مجرد خلفية، وإنما منحتها تمهيدا دراميا وردود أفعال تضيف إلى المشهد وتكشف طبيعة العلاقات بين أبطاله.
ويصل الفيلم إلى واحدة من أكثر لحظاته ذكاء في المشهد الأخير، عندما تقرر دانيال عربيد أن تكشف للمشاهد حقيقة العالم الذي ظل يتابعه طوال الأحداث. فجأة نكتشف طبيعة الديكور، وأن بيروت التي عشنا داخل شوارعها ومنازلها لم تكن حاضرة بالطريقة التقليدية التي نتوقعها من السينما. هنا لا يصبح الكشف عن حيلة التصوير مجرد استعراض تقني، وإنما يتحول إلى موقف فني وإنساني. فالمخرجة التي حالت ظروف الحرب دون تصوير فيلمها في بيروت، أصرت على إعادة بناء المدينة داخل استوديو في فرنسا، مستعينة بصور حقيقية لشوارع العاصمة اللبنانية جرى توظيفها في الخلفيات البصرية. والأهم بالنسبة لي أن هذا الكشف لا يهدم ما شاهدناه، بل يمنحه معنى إضافيا. فبيروت هنا ليست مجرد خلفية للأحداث، وإنما مدينة تحاول السينما الاحتفاظ بصورتها في مواجهة الحرب والغياب. والمفارقة أن الفيلم الذي يتحدث عن شخصيتين تتمردان على القيود الاجتماعية، هو نفسه نتاج عملية إنتاجية تمردت على القيود الجغرافية والسياسية. وكأن التمرد لم يعد موضوعا للسيناريو فقط، بل أصبح جزءا من طريقة صناعة الفيلم نفسها.
ومن الناحية البصرية، يفتح هذا الاختيار مساحة للتأمل في العلاقة بين الحقيقة والوهم داخل الصورة السينمائية. نحن نعرف أن السينما قادرة على صناعة أماكن غير موجودة، لكن دانيال عربيد تقدم هنا حالة مختلفة، فهي تعيد صناعة مكان موجود بالفعل، ولكن الوصول إليه أصبح مستحيلا في ظروف التصوير. ولذلك تكتسب الصورة قيمة تتجاوز جمالياتها، ويصبح الديكور نوعا من الذاكرة البصرية، ومحاولة للاحتفاظ بمدينة مهددة بالفقد. وقد ساهم التصوير والإضاءة والتكوين البصري في تحقيق الانسجام بين الممثلين والخلفيات المصنوعة، وهي مهمة ليست سهلة، خاصة أن المشاهد مطالب بأن يصدق المكان والمشاعر في الوقت نفسه. وربما كان أكثر ما أعجبني في هذا الاختيار أن المخرجة لم تحاول إخفاء حقيقة الصناعة السينمائية حتى النهاية، بل قررت أن تجعلها جزءا من المعنى، وكأنها تدعونا إلى إعادة التفكير في كل ما شاهدناه.
ولا يمكن فصل هذه الاختيارات الفنية عن المعنى الاجتماعي للفيلم. فالعلاقة بين سوزان وعثمان تضعنا أمام مجتمع لا يكتفي بمراقبة الآخرين، بل يمنح نفسه الحق في محاسبتهم على مشاعرهم واختياراتهم. هناك فارق في العمر واللون والوضع الاجتماعي، لكن الفيلم يحاول أن يتجاوز هذه الفوارق ليطرح سؤالا أكثر بساطة وعمقا: لماذا يصبح الحب جريمة عندما يخرج عن الصورة التي اعتاد المجتمع قبولها؟ وتحسب للمخرجة قدرتها على تمرير هذه الفكرة من خلال المواقف الإنسانية وردود أفعال الشخصيات، وإن كانت بعض اللحظات تميل إلى المباشرة في التعبير عن الرفض الاجتماعي، وهو ما يجعل الرسالة أحيانا أكثر وضوحا مما تحتاجه الدراما. ومع ذلك، فإن قوة الأداء والاهتمام بالتفاصيل يمنحان الفيلم قدرا من التوازن، ويبعدانه عن التحول إلى خطاب اجتماعي مباشر.
ما أعجبني في التجربة أن دانيال عربيد لم تكتف بحكاية جريئة أو معالجة بصرية مختلفة، بل حاولت أن تصنع عالما له إيقاعه الخاص، تتداخل فيه الموسيقى مع الذاكرة، والتمثيل مع التفاصيل اليومية، والديكور مع فكرة الوطن. وربما تكمن قيمة الفيلم الحقيقية في هذا التداخل تحديدا، فنحن لا نشاهد فقط امرأة تبحث عن الحب، ولا مهاجرا يحاول العثور على مكان ينتمي إليه، وإنما نشاهد أيضا مخرجة تبحث عن مدينتها، وتحاول أن تستعيدها بالصورة بعدما أصبح الواقع أكثر قسوة من أن يسمح لها بتصويرها.
في النهاية، أرى أن «Only Rebels Win» من الأفلام التي تترك أثرها من خلال اختياراتها الفنية بقدر ما تتركه من خلال موضوعها. وقد يكون أجمل ما فيه أن المخرجة اختارت في اللحظة الأخيرة أن تكشف لنا اللعبة السينمائية، وكأنها تقول إن كل ما شاهدناه كان مصنوعا، لكن المشاعر لم تكن كذلك. فالمكان قد يكون ديكورا، والشوارع قد تكون صورا مسقطة، والمدينة قد تكون بعيدة مئات الكيلومترات، لكن الحب والخوف والوحدة والرغبة في الحياة تظل مشاعر حقيقية. وهنا تحديدا تكمن قوة السينما، ليس في قدرتها على تقليد الواقع، وإنما في قدرتها على خلق حقيقة إنسانية حتى من قلب الوهم.
- على الكشوطى يكتب: رهاب الحب فى "لمن يجرؤ".. لماذا نخشى الحياة؟
- الموسيقى وفلسفة التناغم.. ميتافيزيقا الواحد الذي لا يفني الكثرة
- طرق تجديد المودة بين الزوجين وسط روتين الحياة اليومية
- «سوديك إيست».. مستوى جديد من الحياة الراقية شرق القاهرة.. مجتمع متكامل وخدمات فاخرة
- مفتي ماليزيا: المساواة المطلقة والذكورية المتسلطة يخلان بالتوازن الفطري داخل الأسرة






